بينما يطوى العالم صفحة عام 2025، تقف الدولة المصرية على أعتاب هذا العام ليس فقط بروح التفاؤل، بل بأساسات صلبة استطاعت صياغتها وسط أمواج عاتية من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية. إن القراءة المتأنية لمسار العام المنصرم تكشف عن قصة نجاح ملهمة لدولة نجحت فى تحويل الضغوط المركبة إلى فرص حقيقية، معززةً مكانتها كركيزة للاستقرار فى منطقة تموج بالاضطرابات.
لم يكن عام 2025 نزهة اقتصادية، بل كان اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد المصرى على الصمود. ففى الوقت الذى واجهت فيه الدولة تراجعاً حاداً فى إيرادات قناة السويس بنسبة تجاوزت 50 ٪ نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، استطاع الاقتصاد الكلى تحقيق قفزة نوعية فى معدل النمو ليصل إلى 4.4 ٪.
هذا النجاح لم يأتِ بمحض الصدفة، بل كان ثمرة التزام صارم ببرنامج الإصلاح الهيكلى الذى حظى بإشادة دولية واسعة، وإشادة صندوق النقد الدولي، عبر التوصل فى ديسمبر إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج «تسهيل الصندوق الممدد» بقيمة 8 مليارات دولار، وهو بمثابة شهادة دولية على جدية الإصلاحات التى انتهجتها القاهرة. فهذا الاتفاق، الذى يفتح الباب أمام ضخ نحو 2.5مليار دولار تمويلات جديدة، لم يكن ليتحقق لولا سنوات من الانضباط المالي، وتشديد السياسات النقدية، والمضى قدمًا فى برنامج الإصلاح والطروحات، رغم كلفته الاجتماعية والسياسية. ومع وصول الاحتياطيات الأجنبية إلى مستوى تاريخى غير مسبوق يقترب من 57 مليار دولار، وانحسار موجة التضخم إلى 12.3 ٪، تدخل مصر عام 2026 وهى تمتلك «مصدات صدمات» قوية تؤهلها لاستدامة النمو وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
الأرقام تعكس هذا التحول بوضوح. فقد تسارع معدل النمو إلى 4.4 ٪ خلال السنة المالية 2024/2025، مقارنة بـ2.4 ٪ فى العام السابق، مدفوعًا بانتعاش القطاعات غير النفطية، وعلى رأسها الصناعة التحويلية، والسياحة، والاتصالات، والخدمات المالية.
سياسياً، أثبتت القاهرة أنها الرقم الصعب فى معادلة الاستقرار الإقليمي. لم تكتفِ مصر بدور المراقب، بل كانت المحرك الرئيسى لجهود التهدئة فى قطاع غزة، مانعة بصلابة محاولات التهجير القسري، ومقودة لعمليات الإغاثة الإنسانية.
تجاوز الدور المصرى النطاق التقليدى ليشمل اختراقات دبلوماسية نوعية، من أبرزها تصفير المشكلات الإقليمية عبر تطوير العلاقات مع تركيا وتسهيل المحادثات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. تعزيز الوجود فى القرن الإفريقى عبر شراكات تنموية وأمنية مع جيبوتى والصومال وإريتريا. رفع مستوى العلاقات مع الاتحاد الأوروبى إلى «شراكة إستراتيجية شاملة»، مما يعكس إدراك العالم أن أمن أوروبا يبدأ من استقرار القاهرة.
إن حصيلة عام 2025، بكل ما حمله من ضغوط وأزمات، تؤكد أن مصر لم تكتفِ بإدارة الأزمات، بل تعلمت منها، وخرجت أكثر خبرة وصلابة وقدرة على التخطيط بعيد المدي. ومع دخول عام 2026، لا تدّعى القاهرة أن التحديات قد انتهت، لكنها تدخل المرحلة الجديدة وهى أكثر استعدادًا، وأوضح رؤية، وأكثر تماسكًا داخليًا.
بهذا المعني، فإن تفاؤل مصر فى استقبال عام 2026 ليس خطابًا دعائيًا، بل قراءة واقعية لمسار دولة أثبتت قدرتها على تحويل الاختبارات القاسية إلى نقاط قوة، وعلى شق طريقها بثبات فى عالم مضطرب. وهو تفاؤل يحمل رسالة إلى الداخل مفادها أن الصبر والعمل يؤتيان ثمارهما، وإلى الخارج بأن مصر، رغم كل التحديات، تظل شريكًا لا غنى عنه فى معادلة الاستقرار والتنمية فى الشرق الأوسط وما بعده.
كل عام ومصر والمصريين بخير، ولتكن 2026 سنة جنى الثمار والارتقاء نحو آفاق جديدة من الاستقرار والرخاء.








