هل هناك وظيفة اسمها «وظيفة معارض»؟ سؤال يبدو بسيطا، لكنه يفتح بابا واسعا لفهم مأزق السياسة المعاصرة خصوصا فى الدول التى تعانى اختلالا فى ميزان السلطة والمساءلة.
فالمعارضة فى أصل معناها ليست مهنة ولا لقبا دائما بل موقع سياسى متغير تحكمه البرامج والمواقف والسياقات، لكن ما نراه اليوم فى كثير من التجارب خاصة فى الشرق الأوسط هو تحول المعارضة إلى حالة ثابتة بل أحياناً إلى نمط حياة.
>>>
لا يمكن لأى إنسان أياً كان أن يكون معارضا طوال الوقت دون أن يتحول ذلك من العناد الأيديولوجى إلى الاستعراض السياسى، المعارضة الدائمة تفقد معناها مثلما تفقد الموالاة المطلقة مشروعيتها، السياسة الرشيدة تقوم على النقد المشروط والدعم المشروط لا على الاصطفاف الأعمى فى أى من الاتجاهين.
>>>
فى الأنظمة الليبرالية الديمقراطية للمعارضة وظيفة واضحة، مراقبة السلطة، تقديم بدائل والسعى الواقعى للوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، هناك معارضة حقيقية لأنها تمتلك أدوات حقيقية: أحزاق قوية، إعلام مستقل وقواعد لعبة معلومة نسبيا، أما فى الأنظمة الشيوعية أو الشمولية الصلبة فالمعارضة ليست فقط غائبة بل مجرمة وينظر إليها باعتبارها خيانة أو خطرا وجوديا على الدولة.
>>>
فى بعض الأنظمة اليمينية مثل الولايات المتحدة فى مراحل معينة أو بعض دول أوروبا لا تُسحق المعارضة بشكل مباشر بل يتم تفريغها من مضمونها عبر ما يمكن تسميته «السحق الناعم: تشويه إعلامى» استقطاب حاد وتحويل السياسة إلى معارك هوية لا تنتهى تغرق النقاش العام وتمنع بناء بدائل حقيقية.
>>>
لكن حالة الشرق أوسطية لها خصوصيتها، هنا لا تلغى المعارضة بالكامل بل يُعاد تدويرها بما يُسمح بوجود «معارضين» لكن داخل هامش محسوب وبشروط غير مكتوبة وهكذا تظهر فئة تستمتع بالمعارضة أكثر مما تسعى لتغيير الواقع، معارضة بلا تكلفة حقيقية وبلا مشروعه حقيقى، معارضة تجد فى الهامش مساحة مريحة للحركة وفى الصدام المحدود مصدرا للشرعية والظهور.
>>>
فى مصر لدينا تاريخ سياسى ثرى، برلمانات مبكرة، أحزاب، تجارب معارضة حقيقية ونقاش عام كان فى فترات معينة أكثر حيوية مما نتصور، لكن الواقع الحالى يحتاج فعلا إلى إعادة ضبط المفاهيم، فالمعارضة ليست خطابات عامة ولا شعارات فضفاضة تُدغدغ مشاهر الجماهير، المعارضة برنامج ورؤية وقدرة على تحويل النقد إلى بديل.
>>>
المعارضة الحقيقية تعارض السياسات لا الأشخاص وتقدم حلولا لا مجرد إدانة لها وجود فى الشارع وفى النقابات وفى المجتمع لا فقط على الشاشات أو منصات التواصل والأهم: معارضة لا تهادن فى الليل وتهاجم فى الصباح ولا تفاوض فى الغرف المغلقة ثم تزايد فى العلن.
>>>
هذا النوع الهجين من المعارضة الذى يجمع بين القرب من السلطة وخطاب الرفض لها يمكن أن نطلق عليه دون مبالغة «المعارضة اللزجة» معارضة تلتصق بالسلطة حين يفيدها الالتصاق وتنزلق إلى خطاب راديكالى حين تحتاج إلى إثبات الوجود لا هى مع السلطة بوضوح ولا ضدها بصدق.
>>>
المشكلة أن هذا النمط لا يربك السلطة فقط بل يربك المجتمع أيضاً ويفرغ السياسة من معناها ويحول الفعل العام إلى مسرح بلا نهاية وربما يكون التحدى الأكبر اليوم ليس فى غياب المعارضة بل فى استعادة معناها كفعل مسئول وموقف أخلاقى ومشروع قابل للحياة.









