بيت الخبرة وتصدير الكفاءات للصحف العربية ووكالات الأنباء والفضائيات العالمية

حالة متفردة عاشتها جريدة «الجمهورية» منذ أيامها الأولى مع قادة ثورة 1952 وضباطها الاحرار..حالة ساهمت فيها الاجواء الثورية الوطنية وزاد من لهيبها نخبة من الكبار مفكريين وسياسيين وغيرهم من اعلام المجتمع وضعوا لها بصمات متميزة مع الالتحام الجماهيرى الكبير المتبادل ..فكانت «الجمهورية» فى الصدارة صحفيًا وجماهيريًا وهو ما تشهد به ارقام التوزيع التى فاقت المليون نسخة فى احايين كثيرة وما احدثته من طفرات فى الفن الصحفى على ايدى عمالقة كبار فى السياسة والادب والثقافة والفن .. ويكفى ان تتطالع القائمة الذهبية لكتاب الجمهورية وكتيبة العمل فيها منذ الأيام الأولى بدءا من عميد الادب العربى د.طه حسين وحسين فهمى 7 ديسمبر 1953 وجلال الدين الحماصى 17يوليو 1955 وأحمد قاسم جودة 6 أكتوبر 1955 وكامل الشناوى 5 ابريل 1956 وابراهيم نوار 16 فبرابر 1956 واسماعيل الحبروك 4 اكتوبر 1959 وصلاح سالم وكامل الشناوى وموسى صبرى وناصر النشاشييى وفتحى غانم 17 نوفمبر 1966 ومصطفى بهجت بدوى 22 مايو 1971 ومحسن محمد 12 مارس 1975 ومحفوظ الانصارى 28 يونيو 1984 وسمير رجب 22 ابريل 1998 ومحمد على ابراهيم 4 يوليو 2005 ومحمود نافع 30 مارس 2011.
شغل اصدار «الجمهورية» حيزا كبيرا من فكر وعقل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فقد كان مهموما بإيجاد صحيفة معبرة عن الثورة ..ليس فقط فى مقر عمله ولكن حتى فى مخدعه كما روت السيدة قرينة الرئيس تحية كاظم فى كتابها « ذكريات معه «..فبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 بشهور قليلة بدأ جمال يحضر لإصدار جريدة يومية واشتغل وبذل جهدا كبيرا قبل إصدارها وكنت أسمعه وهو يتحدث بجانبى بعد رجوعه إلى البيت فى الليل ويوجه ويصدر تعليمات وترتيبات ومشاورات وكانت تكتب نسخا وأراها فى البيت كنموذج، ويغير ويبدل فى ترتيبها وشكلها عدة مرات، وذلك قبل إصدارها، وأخيرا صدرت جريدة الجمهورية».
وينقل سعيد الشحات عن السيدة «تحية» من ذكرياتها : «كانت الفرحة على وجهه وهو يسلمنى العدد الأول وكنت أعتز بجريدة «الجمهورية» لما شاهدته من اهتمام جمال عبدالناصر بها».. كانت مقالات مهمة تصدر فى «الجمهورية» باسم أنور السادات والذى كان يكتبها هو جمال عبدالناصر وفى مرة قلت له:»إن هذه المقالة من كلامك وعرفته وفهمت أنك كاتبها.. فرد وقال: نعم».
من رحم الثورة
اذن «الجمهورية» ولدت من رحم الثورة وظلت فى قلب الثورات المتعاقبة أو على حافتها مؤيدة مساندة ومؤازرة ولم تنحرف يوما عن مسارها الثورى بل كانت داعمة لها مؤكدة على الالتحام الجماهيرى وانها معبرة عن الثورة وصوت الشعب والجماهير فى كل مكان ..
كان الضباط الاحرار ومن تلاهم يدركون هذه الحقيقة تماما وكانوا يحرصون عليها ..والملاحظة الجديرة بالاعتبار والتى لا يمكن ان تخطؤها عين مراقب حصيف انه رغم المنافسة القوية بين المؤسسات الثلاثة الكبار الأهرام والاخبار والجمهورية وكانت كلها تعتمد على صحافة الرأى .. وبالتالى كانت السيطرة والهيمنة للتيارات الفكرية النشطة على الساحة من أقصى اليمين إلى اليسار أو من اقصى اليسار إلى أقصى اليسار حينا آخر.
ثورة تصحيح موازية
وفيما كان يشبه ثورة التصحيح كانت «الجمهورية» فى الصدارة فى محاولة لاستعادة التوازن على الساحة ولمواجهة المد اليسارى الكاسح والمهيمن.
وبالفعل قادت «الجمهورية» هذا الاتجاه فى عهد الرئيس أنور السادات ومع تولى الأستاذ محسن محمد رئاسة التحرير ويبدو أن هذه كانت مهمته الرئيسية فى خطاب التكليف ان جاز التعبير.. وبالفعل حدث انقلاب تحريرى فى «الجمهورية» وتحولت «الجمهورية» إلى جريدة شعبية ..
وحدثت مواجهات حادة بينه وبينهم.. بعضهم غادر «الجمهورية» إلى مؤسسات أخرى اما داخل البلاد أو خارجها وبعضهم حاول ان يمسك بالعصا من المنتصف أو ظل يعمل فى ظل التوجيهات والتعليمات الجديدة والا ..!!
ومع التوجهات الجديدة وتعديل المسار التحريرى سلكت «الجمهورية» نهجًا شعبويًا بتعبير – الزميل الأستاذ على هاشم رئيس مجلس إدارة دار التحرير فيما بعد وكان واحدا من بين زمرة شباب خريجى كلية الاعلام الذين اعتمد عليهم محسن محمد فى سياسته الجديدة – فقد كان التركيز على اهتمامات القارئ وهمومه وصار هم الجمهورية أن تشبع نهمه فى معرفة ما يجرى حوله من أحداث متسارعة تتحكم فى حاضره وتصنع مستقبله ولم تقف فى مسيرة تطورها عند حدود الخبر فقط، بل قدمت لقارئها معلومات متنوعة ذات إيقاع سريع تفيده فى حياته اليومية، وتزيد معرفته بما يجرى فى العالم من حوله..
وهكذا انتقلت «الجمهورية» بقدرة مدهشة من جريدة للثورة إلى جريدة للشعب تدافع عن حقوقه وتتبنى قضاياه وتخاطب جمهورًا عريضًا فى مساحته العددية والمكانية والحضارية؛ جمهورًا متنوعًا يجد ضالته المنشودة على صفحاتها وفى أبوابها المختلفة.
نجحت «الجمهورية» بتوجهاتها الشعبوية فى أن تحقق قفزات كبيرة فى العمل الصحفى حتى قاربت المليون نسخة فى التوزيع واستمر ذلك لفترات أيام محسن محمد والأستاذ محفوظ الانصارى الذى تولى رئاسة التحرير بعده وجاء من بعدهما الأستاذ سمير رجب..
لم يكن لهذا النجاح ان يتحقق الا على ايدى مجموعة من الخبراء والمحترفين فى قيادة العمل وإدارة دولاب الصحيفة يوميا وبالتعاون والتفاعل مع شباب الخريجين من كلية الاعلام حديثى التخرج وكان الجميع متفرغا للعمل تماما ليل نهار وكانت المنافسة الصحفية على أشدها ليس فقط بين الزملاء ولكن بين المؤسسات نفسها ..كانت المؤسسات تغضب فى ظل التنافس المهنى من التفرد أو التمييز للبعض والمحاباة من قبل المصادر مثلما كان يحدث أيام اهرام هيكل واخبار مصطفى امين وإبراهيم سعدة الذى شكا كثيرا للرئيس مما تنفرد به الاهرام فى مناشيتات..
وكان البعض يتمتع بحماية عندما يحدث تحايل على الرقيب فى نشر اخبار مهمة ويكسر الجمود فى عدم القدرة على تحقيق انفرادات..
ولم يكن غريبا أو عجيبا ان تصل أصداء المنافسة الى القيادة العليا وليس لدى المصادر فقط..
وقد كان شائعا استئثار صحيفة بموضوعات واخبار مهمة فى المانشيتات وغيرها بفضل نفوذ هيكل وقربه من الرئيس ومركز صناعة القرار ولم يجد رؤساء التحرير غضاضة أو بدا من الشكوى للرئيس ووزير الاعلام آنذاك د. عبدالقادر حاتم والذى كان يتدخل مهدئا وجابرا للخواطر..
مدارس الجمهورية الخاصة
فريق الخبراء وأصحاب المهنية العالية فى «الجمهورية» وما يمكن ان نطلق عليهم «الاسطوات «كان أهم ما يميز «الجمهورية» حتى اشتهرت بذلك بين الصحف الأخرى وكان ذلك محل اهتمام واشادة من المنافسين ويقولون ان فى «الجمهورية» مجموعة من الأساتذة والمعلمين الحريصين على تعليم الأجيال الجديدة بحرص ودأب ودون ملل..
وقد كان من حسن حظى وجيلى ان عاصرت هؤلاء وتتلمذنا على أيديهم بكل حب وتقدير .. كانوا أصحاب مدارس مختلفة وأيضا أصحاب اخلاق كريمة .. كنت من تلاميذ مدرسة الحاج عبد اللطيف فايد نائب رئيس التحرير وكان رئيسا لقسم المحافظات ومن بعد اشهر رئيس للقسم الدينى فى كل الصحف المصرية وكان رئيسا لتحرير مجلة منبر الإسلام التى يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية..
الى جانب الحاج عبد اللطيف كان هناك أساتذة من الوزن الثقيل منهم محمد الحيوان ومحمد العزبى وجلال العريان والسيد عبد الرؤوف وعبد الكريم سليم وقدرى عزب وعلاء الوكيل وناجى قمحة وناصف سليم ومحمد أبوالحديد وكان مديرا لتحرير العدد الأسبوعى ثم رئيسا لمجلس الإدارة بعد ذلك.. ود.لطفى ناصف وصالح إبراهيم وغيرهم الكثير ..
ساشير إلى بعض ملامح تعامل الاساتذة مع المحررين الصغار لندرك كيف كان التفاعل والتوجيه والإصرار على حسن صناعة الصحفى واعداده للمهام المختلفة ..
الأستاذ محمد الحيوان وكان مساعد رئيس التحرير الوحيد فى الجريدة لم يكن يتوقف بشكل شبه يومى عن بيان أوجه القوة والضعف فى الموضوع المنشور وماكان يجب ان يكون وكان يقدم لى قصاصات من صحف عربية لموضوعات وتصلح للمناقشة بطريقة ما .. فضلا عن هذا لم يكن يجد حرجا فى ان يأتى إلى فى المكتب وانا حديث التعيين ويطلب منى قراءة مقاله اليومى قبل تسليمه إلى الجمع بل وكان يستجيب للملاحظات التى كنت ابديها بادب وخجل وكان يصر على ان اكتب بعض الملاحظات بخطى دون حرج..
الأستاذ عبد اللطيف لم يكن يقبل موضوعا أو خبرا مكتوبا بخط غير محترم أو به شطب هنا اوهناك ولم يكن يجد حرجا فى إعادة الموضوع وكتابته بالطريقة الصحيحة وكما يرى ..وكنا نتسابق فى قراءة مقاله انا والزملاء الاساتذة فراج إسماعيل ومحمد خضر..وكذلك الحال فى الفتاوى وضرورة التأكد من صحتها ومراجعة أكثر من مصدر ثقة..
** الأستاذ الكبير محمد العزبى قدم ولا يزال يقدم نموذجا متميزا ومتفرادا فى تعليم المهنية الصحفية وفنون ليس فقط الكتابة ولكن القراءة والمتابعة للاعمال الصحفية خاصة المتميزة ..لم يكتف العزبى بالتنويه والتنبيه أو الإشادة عبر الهاتف .. ولكن جعل من مقالاته اليومية حاضنة لكل المواهب وأصحاب الأقلام مشيدا ومبرزا بكل حب ليس فقط لابناء «الجمهورية» وفى الصحف الأخرى حتى التى لم يسمع عنها احد.
ولا يزال الأستاذ العزبى يواصل المهمة بكل حب ورشاقة رغم المشقة والعناء .. لكنه الأستاذ لا يكل ولا يمل.. متعه الله بالصحة..
** الأستاذ أبوالحديد لا انسى يوم ان طلب موضوعا عن مسجد الفتح بميدان رمسيس لان الرئيس مبارك سيقوم بافتتاحه يوم الخميس يوم صدور العدد الأسبوعى .. وكان مشهورا ان الأسبوعى ليس به مساحة دائما الا للاحداث المهمة والقاتلة وفى أضيق الحدود .. جاء وطلب الموضوع فقلت له من باب الدلال لو خصصت لى صفحة كاملة انزل حالا .. فقال لى بهدوئه المعهود ..وعد لو عملت موضوع كويس ويستاهل ساخصص لك صفحة كاملة وكان يتحدث بكل جدية.. وعلى الفور طلبت المصور وتوجهنا الى المسجد فى ميدان رمسيس وكانت الدنيا على اشدها وممنوع الدخول والخروج وامن الرئاسة يتسلم المكان .. المهم نجحنا فى اختراق الحواجز والتقيت المهندس مصمم المشروع وعدد كبيراً من المهندسين المنفذين والعمال .. وطرحت العديد من الأسئلة المهمة والمثيرة فى المقدمة حول أهمية مسجد ضخم بهذا النظام االمعمارى الفخم شديد العظمة والفخامة فى قلب القاهرة وبالقرب من باب الحديد وتمثال رمسيس وكان البعض يعطى لوجود المسجد فى المكان دلالات سياسية ومعان تتصل بهوية مصر التى تتنازعها تيارات عدة ابتداء من الفرعونية وحتى الإسلامية التى يشير اليها المسجد الفخم.
** الأستاذ ناجى قمحة أشهر مدير تحرير وربما الأخير بالمعنى الحرفى والحقيقى لمهمة مدير التحرير باعتباره الرجل الثانى بعد رئيس التحرير والدينامو الحقيقى للعمل.. وكنت أحب مناكفته مشاكسته باعتبارى من مدرسة الحاج عبد اللطيف يمين والأستاذ ناجى على الطرف الاخر.. كثيرا ما كنت استشيره فى تعديل بعض العناوين قبل تسليم الموضوعات كنت اناقش معه الأفكار أيضا واذكر انه كان ينظر من تحت النظارة نظرته الشهيرة من طرف ليس بخفى ثم يسحب ورقة بيده الأخرى لوضع مشروع عنوان وتبدأ المناقشة والمشاكسة الجميلة..
** كذلك كان الحال مع الأستاذ السيد عبد الرءوف .. وكثيرا ما كان يدعونى للانضمام إلى كتيبة الديسك يوم عمله وكانت تجربة مبكرة ثرية وفريدة لها اثرها فى دقة العمل والاهتمام به.
بيت الخبرة للصحف والوكالات الأجنبية
تفرد وتميز «الجمهورية» فى الاهتمام بتدريب واعداد كوادرها بكل دقة جعل منها بالفعل بيتا للخبرة والمورد الأكبر للكفاءات والخبرات الصحفية سواء للصحف المصرية أو للدول العربية حيث ساهم أبناء الجمهورية فى تأسيس العديد منها فى دول الخليج عامة وفى العراق وغيرها وبعضهم لا يزال يعمل حتى الآن رغم مرور عقود وعقود ..وكذلك عدد كبير منهم فى مكاتب وكالات الانباء العالمية فى القاهرة مثل رويترز والاسوشيتدبرس والألمانية والفرنسية وغيرها.. وبعضهم يعمل فى الفضائيات الكبري.
كثير من قيادات الصحف المصرية القومية والحزبية هم من أبناء «الجمهورية» ومن خريجى مدرستها فى المقدمة واشهرهم الكاتب الكبير إبراهيم نافع وكان المحرر الاقتصادى بالجمهورية.. والكاتب الكبير موسى صبرى انتقل من الجمهورية الى رئاسة تحرير الاخبار..
والكاتب الكبير فتحى غانم وبدأ العمل بالصحافة فى مؤسسة روزاليوسف، ثم انتقل إلى جريدة الجمهورية رئيسًا لمجلس الإدارة والتحرير، ثم عاد مرة أخرى إلى روزاليوسف حتى وفاته عام 1999 عن خمسة وسبعين عامًا.
قيادات كبيرة هاجرت الجمهورية طوعا أو كرها إلى الصحف الحزبية والخليج ومكاتبها فى القاهرة منهم الأساتذة الكبار: عبدالعال الباقورى وعدلى برسوم وصلاح عيسى ووحيد غازى وغيرهم الكثير..
حركة الاستقطاب الكبيرة وما صاحبها من اغراءات الى جانب الهجرة الطوعية بحثا عن تحسين الأحوال أو الهجرة القسرية بفعل الظروف السياسية أو غلبة تيارات فكرية على أخرى مع التوجهات السياسية السائدة كان لها تاثير كبير على الجمهورية ولا ابالغ اذا قلت انها ساهمت فى احداث نوع ما من الخلخلة التى انعكست على العملية الصحفية بشكل عام..
وتبقى الجمهورية جريدة الثورة وصوت الشعب والجماهير فى كل مكان…وهو الشعار الذى حرص أبناء «الجمهورية» على التأكيد عليه فى فترة السيولة الثورية والفوضى الجماهيرية .. وسجلوه فى الشعار والترويسة فى صدر الصفحة الأولى ..
والله المستعان ..









