لماذا لا يخجل أهل الباطل مما اقترفته أياديهم من آثام وموبقات يتضرر منها المجتمع بأسره؟ لماذا يتلذذون بالطواف حول محاريب الشيطان دون شعور بالذنب؟ هل يحدث هذا فى غياب العقل؟ أم يحدث هذا فى ظل مرض القلب؟ ليس هناك ما هو أشد قسوة على العقول والمجتمعات من الإفلاس، غير أن أقبح صوره وأعمقها أثرًا هو الإفلاس الفكري، ذلك الداء الخفى الذى يستنزف الوعى ويعصف بالبصيرة، ويُغرق المجتمع فى جهل مركّب يفتح الأبواب لكل الموبقات الثقافية التى تتسلل إلى حياتنا اليومية. فالإفلاس الفكرى يسطّح العقل الجمعي، ويفرز سلوكيات الفهلوة والتشويق الزائف وثقافة «اللقطة»، ليُنتج وعيًا مغشوشًا منفصلًا عن الواقع، بينما تُدفع الحقائق إلى أركان بعيدة من الذاكرة، تنتظر فرصة للتحرر من شرنقة التفاهة.
>>>
والمجتمع الذى يفتقد مثقفيه الحقيقيين، ويغيب عنه أصحاب البصيرة، وتعلو فيه أصوات الضجيج على أصوات العقل، لا بد أن يعانى من نوبات اضطراب مع كل أزمة تلوح فى الأفق. فمن يحاول اليوم التحكم فى مزاج المجتمع وهويته المعرفية صار مجهول الهوية لكنه معلوم الهوي، يتخذ من الشائعات سلاحًا، ومن الارتباك الثقافى بيئة خصبة لزرع الشك والتشويش. ومع ندرة المعلومات الموثقة وغربتها عن الناس، نجد الحقيقة ضعيفة، تتوارى فى زاوية نائية ينتصر لها القليل من الشرفاء، وبعضهم يفعل ذلك على استحياء خوفًا من الوقوع فى مصائد أهل الشر.
>>>
أما أهل الباطل فلا يخجلون؛ يرفعون أصواتهم ويُظهرون ولاءهم لنزواتهم، يسجدون فى محاريب الكذب والنفاق وتضليل الوعي، وتبدو آثار السخرية والتلون على وجوههم. وعلى الجانب الآخر، يقف أهل الحق والفضيلة خافتين، أقل حركة وصوتًا، يحملون الكلمة الصادقة فى صمت، حتى وهم فى حضرة الحقيقة وبين يدى الحق.
>>>
لقد بلغ المجتمع المصرى مرحلة تستدعى عملية «قلب مفتوح» لإصلاح الصمامات الفكرية التى تآكلت والتى ينزف منها وعى الأمة. نحن بحاجة إلى إعادة ضبط للبرمجيات التى تتحكم فى العقل المصري، والتى أنتجت عبر سنوات طويلة سلوكيات ننتقدها دون أن نبذل جهدًا حقيقيًا لمعالجتها أو تغيير جذورها. فالعقل الذى لم يُحدّث برامجه المعرفية سيظل يعيد إنتاج الأخطاء نفسها مهما تغيرت الظروف.
>>>
كنت وما زلت أبحث عن الرأى الآخر المختلف، فالتنوع الإنسانى هو الأصل، بينما التطابق ليس إلا استثناءً نادرًا. لقد خلقنا الله شعوبًا وقبائل لنتعارف، وهذا التعارف لا يتحقق إلا بالحوار الصادق وتبادل المعارف والخبرات والعادات. فالتنوع – جنسًا ولونًا وعرقًا ودينًا وثقافة – هو سر البقاء والتطور. ولا يمكن تصور عالم يسير فى اتجاه واحد، أو مجتمع يتحدث بصوت واحد، يحب الشيء نفسه ويكره الشيء نفسه. هذا وهم وخيال، لا وجود له إلا فى عقول من يخشون الاختلاف.
>>>
من هنا كانت أهمية الرأى الآخر، وقيمة الفكر المختلف، وضرورة الاستماع إليهما. فالاختلاف ليس تهديدًا، بل إثراء للصورة وزيادة للزوايا التى نرى بها الحقيقة. ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن هناك خطًا واضحًا يفصل بين أصحاب الفكر وأصحاب الهوي، بين من يقدم رأيًا نقيًا مجردًا، ومن يستغل مساحة الكلام لتمرير مصالحه وإثارة الفوضى الفكرية.
>>>
أزعم أننى أحترم الرأى الآخر وأدافع عن وجوده، بل وأقدّس حقه فى التواجد، لكننى – وبكل صدق – لا أجد كثيرين ممن يحملون رأيًا مخالفًا نقيًا يهدف إلى الإضافة أو التشخيص أو التحليل. أغلب ما نراه اليوم ليس آراءً مغايرة، بل نزعات ومصالح مغلفة بعبارات زائفة، وادعاء لامتلاك الحقيقة، وبعضها لا يضيف أى قيمة معرفية بقدر ما يزيد الصورة تشويشًا.
>>>
وبالرغم من ذلك، لا يمكن التعميم؛ فالتعميم باب الخطيئة. لا بد من الإقرار بوجود مفكرين ومثقفين وساسة لديهم الكثير من الرؤى العميقة والمواقف المتجردة، هؤلاء يجب البحث عنهم وتقديمهم للناس، حتى وإن اختلفنا معهم. فالاختلاف لا يلغى القيمة، والرأى المخالف قد يفتح نافذة للفهم لم تكن موجودة.
>>>
أما «مرتزقة الرأى» الذين يتخذون من الهدم منهجًا، ومن إثارة الشك غاية، ويستهدفون وعى الناس عبر أطروحات مسمومة، فالتعامل معهم لا يكون إلا بكشف الزيف وفضح الأساليب وتوضيح الحقيقة. وسلاحنا فى ذلك – وسيظل – هو الكلمة: الكلمة الصادقة، الكلمة المسئولة، الكلمة التى تبنى ولا تهدم.









