بعيداً عن ضجيج التحليلات المعمقة ورنين المصطلحات الكبرى البراقة، تقف قطعة بيتزا دافئة تحمل سراً لا يعرفه الباحثون عن الخبر والمعلومة هكذا بدأت الحكاية. لم يكن الأمر نكتة ولا مبالغة حين خرج صاحب سلسلة مطاعم بيتزا فى الولايات المتحدة ليقول بثقة ساخرة: «نحن نعرف ما لا يعرفه الآخرون، وخصوصاً الصحفيين». لم يكن الرجل سياسياً، ولا محللاً إستراتيجياً، ولا حتى جندياً سابقاً، كان فقط يبيع البيتزا. لكن ما يملكه لم يكن فى يد أحد غيره: أرقام. بيانات. مؤشرات تتكرّر. حركة غير طبيعية فى الطلبات تدق باب مطاعمه كلما اتجهت الدولة نحو عمل عسكرى كبير.
فجأة، يصبح الدقيق والجبن وصلصة الطماطم أدوات قراءة لمستقبل السياسة الخارجية الأمريكية. ففى تلك الليالى التى يطول فيها دوام موظفى وزارة الدفاع، ويظل القادة منشغلين داخل غرف العمليات حتى ساعة متأخرة، يزداد الطلب على البيتزا من فروع تقع بمحاذاة البنتاجون ووكالة الاستخبارات المركزية. لا يتوقف الأمر عند زيادة بسيطة فى عدد الوجبات، بل يتجاوز ذلك إلى نمط ثابت: كلما كانت هناك عملية عسكرية تُطبخ فى السر، كانت أفران البيتزا تشتعل فى العلن.
يضحك البعض، يستهتر آخرون، بينما يقف أصحاب الفطنة عند المعنى الأعمق: النشاط البشري، مهما حاول أن يختفى خلف أبواب مغلقة، يترك أثراً صغيراً، أو ذيلاً من الضوء، يكشف ما لا يريد أحد أن يعلنه. هذا ما اكتشفه بائع البيتزا، قبل أن تلتقطه أعين خبراء الاستخبارات المفتوحة. لم يعد المفهوم مجرد طرفة، بل صار «مؤشراً» حقيقياً، تراقبه بعض المراكز البحثية قبل أى تصعيد أو ضربة عسكرية محتملة.
وقبيل الضربة الأمريكية على إيران حدث الشيء ذاته. قبلها فى العراق، ثم أفغانستان، ثم ليبيا، ثم اليمن والصومال. فى كل مرة كانت رائحة البيتزا تسبق رائحة البارود. ولأن الأرقام لا تكذب، صار مؤشر البيتزا جزءاً غير معلن من أدوات قراءة المشهد العسكرى الأمريكي. السياسيون ينفون، الجيش يلتزم الصمت، أما محلات البيتزا فتتكلم حين لا يتكلم أحد.
الفكرة ليست فى الطعام بحد ذاته، بل فى الحركة المرافقة له. عندما يعمل موظفو الدفاع لساعات إضافية، وعندما تتكدس الاجتماعات ويُطلب من الفرق البقاء داخل المكاتب، تنشط التطبيقات ويدق الهاتف بالمزيد من الطلبات. إنها ببساطة العلاقة غير المرئية بين ضغط القرار وشهية البشر. ليس لأنهم يحبون البيتزا أكثر فى أوقات الحرب، بل لأن الوقت يضيق، والجهد يعلو، والبديل السريع يصبح ضرورة.
وعلى نفس المنوال ،اتساءل : هل يمكن أن يكون لنا، نحن، مؤشر مشابه؟ هل يمكن أن نمتلك «مؤشر الكشرى» أو«مؤشر الفول والطعمية» فى لحظات الأزمات الكبرى؟
تخيل أن يكون لديك محل كشرى صغير يلاصق مبنى حساس، أو عربة فول تقف عند مدخل مؤسسة سيادية، أو مطعم طعمية اعتاد أن يخدم موظفى دائرة صنع قرار. ماذا لو لاحظ البائع زيادة غير معتادة فى الطلبات بعد منتصف الليل؟ أو طوابير تظهر فى غير موعدها؟ أو مكالمات متلاحقة تطلب وجبات كبيرة لفرق داخل مبنى لا ينام عادة فى ذلك التوقيت؟ عندها لن يكون الأمر مجرد صدفة، بل علامة لها دلالتها.
فكما تكشف البيتزا أسرار البنتاجون، قد يكشف الكشرى أسرار أى مؤسسة يعيش موظفوها على الوجبات الشعبية، وتُحاصرهم اللحظة فيضطرون للاعتماد على طبق فول يسد جوع تفكيرهم. ما ينطبق هناك يمكن أن ينطبق هنا، فالطعام فى النهاية ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل إشارة اجتماعية وسلوكية لا يمكن إخفاؤها. الناس عندما يُسحبون إلى العمل الإضافى لا يختارون المطاعم الفاخرة، بل الأقرب، الأسرع، الأكثر حضوراً فى الشارع. وهذه التفاصيل الصغيرة تصنع ما يسمى فى عالم التحليل بـ «النمط»؛ ذلك الخيط الرفيع الذى لا يلاحظه إلا من يراقب بعين مدربة أو حسٍّ فطرى شديد الذكاء.
إن مؤشر الكشرى ليس فكرة عبثية، بل قراءة ثقافية لواقع اجتماعي. كل مجتمع له طعامه الذى يكشف عنه، صوته الخاص الذى يصدح حين يحاول أن يختفي. فى الغرب هى البيتزا، فى شرق آسيا قد تكون النودلز، وفى مصر يمكن جدّاً أن يكون الفول والطعمية، لأنها وجبة الطوارئ الحقيقية، التى تحضر حين يغيب الوقت ويعلو التوتر. وهى وجبة العمل الليلي، التى تعرف أسرار المكاتب المغلقة، وتسمع أنفاس الناس وهم يركضون خلف القرارات.
قد لا نحتاج إلى أجهزة تنصت، ولا تسريبات، ولا مصادر من داخل المؤسسات. يكفى أحياناً أن نسأل: من طلب الفول هذه الليلة؟ من اشترى ساندوتشات طعمية بعد منتصف الليل؟ من عاد إلى الكشرى مرتين فى اليوم نفسه؟ هذه الأسئلة البسيطة، التى يظنها البعض بلا قيمة، قد تكون المفتاح لفهم حركة كاملة داخل مؤسسات أكبر من أن يقترب منها أحد.
وهكذا تصبح الوجبة الساخنة مرآةً تلمع فيها ظلال السياسة. ويصبح البائع البسيط، الذى يقف خلف قدر «قدرة» فول يغلي، شاهداً على لحظة ربما تغيّر شيئاً ما فى البلد دون أن يعرف. فالغذاء ليس فقط ما يدخل المعدة، بل ما يخرج من الحياة اليومية من إشارات، وما يتركه البشر من آثار حين يظنون أنهم يمرون دون أن يراهم أحد.
إن عالم المؤشرات الخفية ليس حكراً على الدول العظمي. ففى كل مدينة، وكل شارع، وكل محل شعبي، توجد فرصة لقراءة نبض المؤسسات من خلال ما يلتهمه الناس حين تضيق بهم الليالي. ربما لا نطلق عليه رسمياً «مؤشر الكشري»، ولا نعلنه فى التقارير، لكنه موجود. حيّ. يتنفس. ويعرف، كما عرف بائع البيتزا، ما لا يعرفه الآخرون.









