ثمّة مبادرات ثقافية تتجاوز مفهوم الجمال، لتلامس رؤية وطنية شاملة. هذا هو الشعور الذى تملكنى فور تلقى الدعوة لحضور احتفالية مرور عام على تأسيس مكتبة نون السحّار. دعوة نبيلة تحمل إيماناً بأن القراءة قادرة على تغيير الواقع، وأن الثقافة ليست ترفاً، بل ركيزة من ركائز الحياة.
منذ اللحظة الأولى للوصول، بدا جلياً أننا أمام مشروع استثنائى يتجاوز المبــادرة الفرديــة.. فالمكتبــة هى ثمــرة توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بضرورة نشر المكتبات العامة فى كل الأحياء، إيماناً من القيادة بالدور الحيوى الذى تلعبه هذه المؤسسات فى نشر المعرفة، وتوسيع آفاق الوعي، وتشجيع النشء على القراءة والبحث، ورفع المستوى الثقافى للمجتمع. وهنا يتجلى الفارق بين فكرة تُحكى ورؤية تتحقق على أرض الواقع.
وقد أضفى حضور نخبة من المثقفين، إلى جانب محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، ثقلاً معنوياً على المناسبة. ولم يكتفِ المحافظ بالحضور الشرفي، بل تبنّى الفكرة ودعمها بوضوح، مُرسلاً رسالة قوية مفادها أن الدولة تعتبر الثقافة جزءاً أصيلاً من مشروعها التنموي، شأنها شأن الطرق والكبارى والمدارس.
كان الأطفال هم مفاجأة اليوم، حيث قدموا فقرات بسيطة وعفوية حملت روحاً مُبهجة، وكأنهم يجسدون رسالة المكتبة: هذا الصرح وُجد لأحلامهم التى تتفتح بين دفتى الكتاب. كانت لحظات تختصر الهدف السامى من إنشاء المكتبات العامة.
إضافةً إلى ذلك، جرى تكريم مجموعة من الكتّاب الذين أثروا المشهد الثقافى بمشاركاتهم فى مسابقة كتابة المقال احتفاءً بافتتاح المتحف الكبير، وهو تكريم يعكس تقدير المكتبة للإبداع ودعمها للمواهب الشابة.. وخلال الجولة داخل المكان، أدركتُ أن كلمة «مكتبة» قد لا تكفى لوصف هذا الصرح. فـ «نون السحّار» تمتد على مساحة واسعة تبلغ 250 متراً مربعاً، لتكون بيتاً رحباً للمعرفة. وتحمل المكتبة اسم الأديب والروائى الكبير عبد الحميد جودة السحّار، تقديراً لإرثه الأدبى وإحياءً لروح الإبداع.
ما يميز المكتبة ليس مجرد كونها أرففاً صامتة، بل كونها مركز معرفة يعمل طوال أيام الأسبوع من الثامنة صباحاً وحتى العاشرة مساءً، ليكون متاحاً للجميع. وتقدم المكتبة خدمة القراءة المجانية دون أى قيد، فى رسالة واضحة تؤكد أن الثقافة حق للجميع وغير قابلة للمساومة.
وتضم المكتبة مجموعة ضخمة من الكتب فى مختلف فروع العلم والمعرفة: الأدب، والتاريخ، والفلسفة، والعلوم، والتنمية، وكتب الأطفال. كما تتيح للزائرين مصادر رقمية متنوعة عبر الإنترنت، لتجمع ببراعة بين جمال الكتاب الورقى وحداثة المعرفة الإلكترونية، فى صيغة تضعها فى مصاف المكتبات الحديثة عالمياً؛ سواء فى الأرفف المنظمة، أو مساحات القراءة المريحة، أو الأركان المخصصة للأطفال.. إن مكتبــة نون السحّار ليست مشــروعاً ثقافيــاً عابراً، بل نموذج يجب أن يُعمّم فى كل حى من أحياء مصر. فوجود مكتبة عامة بهذا المستوى يعنى بيئة تربوية أفضل، وعقولاً أكثر انفتاحاً، وشباباً يمتلك أدوات التفكير، كما يمنح الأطفال فرصة لبدء علاقة حقيقية مع الكتاب، علاقة يمكن أن تُغير مصيرهم بالكامل.
ختاماً، لا يسعنا إلا توجيه التحية لكل من آمن بهذا المشروع: إلى نجلاء عبدالحميد جودة السحّار، رئيس مجلس الإدارة، التى أدارت هذا الصرح بروح محبة للثقافة، وإلى كل القائمين على المكتبة لجهودهم المشرفة. وتحية واجبة للمحافظ الدكتور إبراهيم صابر على دعمه، وللقيادة السياسية التى آمنت بأن نشر المكتبات جزء أصيل من بناء الإنسان المصري.
خرجت من المكتبة بيقين راسخ: أن مجتمعاً يفتح مكتبات، يفتح أبواب المستقبل. وأن نون السحّار ليست مجرد مكتبة، بل نافذة نور تعيد للقراءة مكانتها، وللثقافة بهاءها.









