فى حياة الأمم كما فى حياة الأفراد، ثمة لحظات فارقة تحتاج تركيزاً شديداً، وإرادة صلبة، وبوصلة ذهنية لا تنحرف عن الاتجاه الصحيح.. غير أننا، وبشكل يبدو مألوفًا فى مجتمعنا، نجد أنفسنا نندفع بسهولة إلى مستنقع التفاصيل، ذلك المستنقع الذى يبتلع الوقت والعقل والجهد، ولا يمنح فى المقابل أى قيمة حقيقية.. هناك دائمًا من يجرّنا إلى تلك الهوامش الصغيرة التى تُشعرنا بأننا فى معركة حقيقية، بينما هى فى الحقيقة مجرد معارك رخيصة، لا رابح فيها ولا مهزوم، لأن الجميع فيها خاسرون.
>>>
لقد أصبحنا نعيش فى مجتمع يتجزأ يومًا بعد يوم، مجتمع كبير ظاهريًا، لكنه فى الحقيقة مجتمعات صغيرة متداخلة، يراقب كل منها الآخر بنظرة شكّ، ويعاتبه بحدة، ويوجّه إليه الاتهامات السهلة.. تحول المجال العام إلى مساحة مزدحمة بضوضاء لا تنقطع، تصنعها أخبار النميمة، وتفاصيل الجريمة، ومهاترات لا تنتهى، حتى صرنا نهدر ساعات كل يوم فى متابعة ما لا يفيد، والانفعال بما لا يغيّر الواقع، والانشغال بما لا يستحق الالتفات.. لقد أصبحت التفاصيل الصغيرة، تلك التى لا تُضيف شيئًا ولا تحل مشكلة، جزءًا من يومياتنا، بل صارت أحيانًا هواية يمارسها الناس بشغف غريب.
>>>
والمؤسف أننا ننغمس فى هذا كله بمنتهى حُسن النية، نتصور أننا بذلك نشارك فى النقاش العام، أو نصنع رأيًا، أو ندافع عن موقف. بينما ما نفعله حقًا هو الابتعاد التدريجى عن جوهر القضايا التى تستحق التفكير، والذهاب بعيدًا عن جغرافية الأفكار الكبرى التى تصنع مستقبل الأمم.. إننا نقفز من قضية هامشية إلى أخرى، ومن جدل عقيم إلى آخر أكثر عقماً، حتى نصبح أسرى مساحة ضيقة من التفاهة التى تتضخم لتملأ وعينا بالكامل.
>>>
وإذا ألقينا نظرة هادئة على المشهد الأوسع، سنجد أن مصر تمتلك اليوم مشروعًا وطنيًا إصلاحيًا متكاملاً، يحتاج أن نتكاتف حوله، وأن نؤمن به، وأن نتحرك فى اتجاهه بخطوات ثابتة.. مشروعات كبرى تُقام، وبنية تحتية تُبنى، ورؤية تنموية تمتد لسنوات مقبلة.. ولكن هذا المشروع، الذى يفترض أن يكون محور الحديث الأول، يغيب أحيانًا عن وعينا لصالح صخب التفاصيل والهوامش، وكأننا نضع الضوء على ما لا يستحق، ونترك ما يجب أن يكون فى بؤرة الاهتمام فى الظل.
>>>
إن الانشغال بالتفاصيل لا يبدو مجرد عادة اجتماعية، بل تحول إلى أسلوب حياة يصنع حالة من التشتت الجماعى.. فبدلاً من التركيز على الأولويات، نغرق فى تفاهات يومية تستهلك التركيز والوقت.. وبدلاً من الدفاع عن الأهداف الكبرى، نضيع طاقتنا فى نقاشات تافهة تثير الانقسام وتفتح أبوابًا لا ضرورة لها.. وبقدر ما تبدو التفاصيل بريئة وصغيرة، إلا أنها – عبر تراكمها – تحرك الوعى العام بعيدًا عن المسار، وتنهك الروح العامة وتثقلها.
>>>
لقد بات الشيطان الذى طالما قيل إنه يسكن التفاصيل، يهرب منها منذ زمن بعيد.. فلم يعد هناك ما يحتاجه فى تلك الهوامش الصغيرة التى أجاد الناس السباحة فيها دون مساعدته.. إنه الآن يقيم فى العناوين الكبرى، فى المشاريع الإصلاحية نفسها، فى الخطط التى تهدف لبناء المستقبل، لأنه يعلم أن ضرب العنوان الكبير أكثر فاعلية من إثارة التفاصيل الصغيرة.. ولذلك نراه يسلّط أبناءه وأتباعه على كل من يحاول الاقتراب من هدف وطنى كبير أو فكرة جامعة أو مشروع تنموى مؤثر.. يطارده بالشكوك، ويجذبه إلى الخلف، ويدفعه دفعًا إلى الجدل العقيم والتفاصيل المضطربة.
>>>
والحقيقة أن التحدى الحقيقى ليس فى مواجهة الشيطان ذاته، بل فى مواجهة تلك العادة الاجتماعية التى تجعلنا ننساق بسهولة إلى المعارك الصغيرة.. فمن الخطير أن نترك وعينا العام عرضة للانحراف نحو الهامش، أو أن نسمح للضجيج بأن يتغلب على ما يستحق التأمل، أو أن نغفل القضايا الأساسية التى تبنى مجتمعًا قويًا متماسكًا.. فالأمم لا تقوم إلا على وعى جمعى قادر على التمييز بين المهم والعابر، بين ما يستحق الوقت والجهد، وما هو مجرد فقاعات على سطح الحياة.
>>>
نحن بحاجة إلى عقل جماعى أكثر صلابة، وإرادة اجتماعية تستعيد قدرتها على التركيز.. بحاجة إلى أن نرفع بصرنا قليلاً عن التفاصيل التى تستنزف الطاقة، ونوجّه نظرنا نحو الأهداف الكبرى التى تستحق الدفاع عنها.. فليس من المعقول أن نترك مشروعًا وطنيًا واسعًا ينمو أمامنا، بينما ننشغل بقصص يومية تذهب مع الريح.. وليس منطقيًا أن نتشرذم على أبواب التفاصيل، بينما ينتظرنا مستقبل يحتاج منا موقفاً موحداً ورؤية مشتركة.
>>>
إن الخروج من مستنقع التفاصيل ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية ملحّة.. هو استعادة للعقل، وترميم للوقت، وتصحيح لاتجاه البوصلة.. وهو دعوة لأن نعود إلى جوهر الأشياء، إلى الأفكار التى تُبنى عليها الدول، وإلى الوعى الذى يستطيع أن يفرق بين ما يُبنى وما يُهدم، بين ما ينفع الناس وما يبقى على الأرض.
>>>
لقد آن الأوان أن نتخفف من التفاصيل التى تسحبنا إلى الأسفل، وأن نعيد صياغة أولوياتنا، وأن نفهم أن مستقبل هذا الوطن أكبر بكثير من أن يُختزل فى معارك صغيرة لا تضيف شيئًا.. فالعناوين الكبرى تنتظرنا، والمشروع الوطنى يحتاجنا، والمستقبل لا يُصنع فى الهامش بل فى القلب، حيث تُكتب الأفكار العظيمة وتُصاغ الإرادة الحقيقية.









