تعد مصر التى يطلق عليها بحق مهد الأديان وأرض الأنبياء متحفًا حيًا للتاريخ الروحى للبشرية، حيث تتشابك على أرضها مسارات الحضارات والأديان السماوية الثلاثة. إن أهمية السياحة الدينية فى مصر تتجاوز بكثير الجانب الترفيهى المعتاد لتصبح ركيزة إستراتيجية ذات أبعاد حضارية واقتصادية واجتماعية عميقة. فليست مصر مجرد وجهة سياحية تستعرض الآثار الفرعونية، بل هى وجهة روحية عالمية تستقطب ملايين الزوار سنويًا ممن يسعون إلى التأمل والاطلاع على الأماكن التى ورد ذكرها فى الكتب المقدسة، مما يمنحها ميزة تنافسية فريدة لا تضاهيها فيها الكثير من الدول. هذه الأهمية متعددة الأوجه تستدعى منا تسليط الضوء على الأبعاد التاريخية والاقتصادية والثقافية لهذه الثروة الروحية.
يكمن جوهر أهمية السياحة الدينية فى مصر فى عمقها التاريخى المقدس. فمصر هى المسار الذى سلكه نبى الله إبراهيم، وهى البقعة التى شهدت مرور يوسف الصديق، وكانت مسرحًا لأحداث قصة نبى الله موسى وخروج بنى إسرائيل. أما بالنسبة للمسيحية فإن مصر تحتضن مسار العائلة المقدسة بالكامل، وهو مسار مبارك سلكته السيدة مريم العذراء والطفل يسوع ويوسف النجار، هربًا من بطش هيرودس. هذا المسار الذى يمتد من سيناء إلى صعيد مصر، يضم الآن عشرات الكنائس والأديرة الأثرية التى تعد وجهات حج رئيسية للمسيحيين حول العالم، مثل دير سانت كاترين الذى يقع عند جبل موسى «الطور» والكنيسة المعلقة فى القاهرة القديمة، وأديرة وادى النطرون. وبالنسبة للمسلمين تضم مصر الجامع الأزهر الشريف، الذى يعد منارة للعلم الإسلامى المعتدل لأكثر من ألف عام، ومساجد أثرية أخرى ذات قيمة معمارية وروحية كبرى مثل مساجد عمرو بن العاص وابن طولون والحاكم والسلطان حسن. هذا التراكم التاريخى والروحى يجعل مصر أرشيفًا حيًا للتعايش الدينى ومركزًا للإشعاع الروحى العالمى.
وتعد السياحة الدينية رافدًا اقتصاديًا حيويًا ومحركًا للتنمية المحلية. السياح والزوار الدينيون غالبًا ما يتميزون بفترة إقامة أطول من السائح العادى، خاصة فى مسارات الحج الدينى أو الزيارات الطويلة للأديرة والمواقع المقدسة. هذا يترجم إلى زيادة فى الإنفاق السياحى الذى لا يقتصر على الإقامة والمواصلات، بل يشمل شراء الهدايا التذكارية التقليدية والمنتجات الحرفية المرتبطة بهذه الأماكن، مما يعزز الصناعات الصغيرة والمتوسطة والحرف اليدوية. كما أن السياحة الدينية تساهم بشكل فعال فى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة فى المناطق الأقل حظًا، مثل المدن والمحافظات على طول مسار العائلة المقدسة أو فى صعيد مصر، مما يساعد فى تحقيق التوزيع العادل للمنافع الاقتصادية وتقليل الفجوات التنموية بين الأقاليم. علاوة على ذلك تساهم هذه السياحة فى تنوع المنتج السياحى المصرى وتقلل من الاعتماد الكلى على السياحة الشاطئية أو الأثرية التقليدية، مما يجعل القطاع أكثر مرونة فى مواجهة الأزمات العالمية.
وتحمل السياحة الدينية رسالة أعمق من مجرد الجذب الاقتصادى؛ إنها رسالة مصر للعالم حول التسامح والتعايش. عندما يزور السائحون من مختلف الأديان المواقع التى تشهد على القرون الطويلة من التفاعل بين المسلمين والمسيحيين، فإنهم يعيشون تجربة فريدة لنموذج الوحدة الوطنية الحقيقى. فإحياء مسار العائلة المقدسة مثلاً، لم يكن مشروعًا سياحيًا فحسب، بل كان مشروعًا قوميًا لإبراز الهوية المصرية التى تتجسد فى احتضانها لكل الأديان. هذه الزيارات تساهم فى بناء جسور التواصل الثقافى وتصحيح الصور النمطية الخاطئة عن المنطقة، وتعزز مفهوم السلام العالمى من خلال تسليط الضوء على الجذور المشتركة والروابط الروحية التى تجمع البشرية. إنها تساهم فى جعل مصر مركزًا عالميًا للحوار بين الأديان، مما يعزز قوتها الناعمة ومكانتها الدولية. وتتطلب السياحة الدينية فى مصر إستراتيجية تطوير مستدامة. تشمل هذه الإستراتيجية تطوير البنية التحتية المحيطة بالمواقع الدينية، وتحسين الخدمات اللوجستية ووسائل النقل، وتدريب الكوادر البشرية المتخصصة فى الإرشاد الدينى والسياحى، والتى يجب أن تكون على دراية معمقة بالخلفيات اللاهوتية والتاريخية للمواقع. كما يجب الاستمرار فى الترويج الدولى لهذه المسارات والكنوز الروحية بأسلوب عصرى يخاطب الفئات الشبابية والمهتمين بالسياحة الروحية. إن الحفاظ على قدسية هذه المواقع وتأمينها، وتسهيل إجراءات الزيارة، يضمن استمرار تدفق الزوار وزيادة مساهمة هذا القطاع فى دعم الاقتصاد الوطنى وتعزيز مكانة مصر كـمركز حضارى وروحى عالمى للأجيال القادمة.
وللحديث بقية









