فى زمن داعش وأخواتها شاعت «ثقافة التكفير» فى كل القضاياوامتدّت «ثقافة التكفير» إلى بلدان عربية وإسلامية اشتهرت بالثقافة المُنفتحة والتحضّر والرقى المعرفى، وشاعت تلك الثقافة حين غزتها جيوش التكفيريين بأسلحتهم وفتاويهم الداعية المتشددة والداعى بعضها للقتل باسم الدين.. والدين منها براء.. تلك الثقافة التكفيرية، التى حوّلت ما سُمّى بالربيع العربى خلال الفترة 2011/2025 إلى موسم مفتوح بلا نهاية للقتل والذبح والإرهاب، تلك الثقافة ـ وياللدهشة! ـ أنتجت أيضاً فناً وثقافة تدعوان إلى الانحلال الأخلاقى، وكأن ثمة تلازماً شرطياً بين الثقافتين.. ثقافة التكفير وثقافة الانحلال، وهو ما تبدّى واضحاً فى العديد من دولنا خاصة تلك التى الدول التى خرجت منها ثقافة التكفير حين لاحظ العلماء والخبراء المتخصصون أنها أكثر البلاد العربية والإسلامية إنتاجاً لثقافة «التفاهة والانحلال» وأشدّها تدهوراً فى التعليم والأدب والفن وفى كل مجالات الحياة.. تُرى لماذا؟!
>>>
أولاً: فى بحثنا عن تفسير لهذه العلاقة بين ثقافة التكفير وبين ثقافة الانحلال «وهى مسألة أظن أنه لم يتم تناولها بالتحليل المعمق فى صحافتنا وإعلامنا العربى بعد» وجدنا أن كلتا الثقافتين تتميّز بالانغلاق والجمود ورفض الحوار والنقد والتعديل، فالثقافة التحريمية والتكفيرية متعالية وتدعى امتلاكها الحقيقة المطلقة ومن ثم فلا نقاش ولا حوار وما دونها باطل حتى لو كانت حجتها غير مؤسسة على قاعدة صلبة، حتى ولو جوبهت بحجج أخرى دينية، وكذلك ثقافة الانحلال والابتذال فهى تنطلق من منطلق غير مبال بالقيم ولا المجتمعات وثوابتها، وبالتالى فإن خرقها لهذه التابوهات أكسبها غروراً ووقاحة ترفض معها النقد والحوار وتسير فى طريقها التخريبى من دون أن تعبأ بغيرها، وبالتالى فإن هذا الانغلاق والتعالى سمة مشتركة بين الثقافتين ويدخل فى عوامل التشابُه من حيث الطبيعة.
>>>
ثانياً: كلتا الثقافتين محدودتين من حيث الأفق وكذلك الإمكانات الفنية فالتحريمية «التكفيرية» لا تعترف بالفنون وبالتالى جمالياتها وما تنتجه من فنون تعتبرها هى الفنون المُثلى، أما الثقافة المُنحلّة فهى تبتعد تماماً عن جماليّات الفن وأدواته وهى عادة ما تكون محدودة الإمكانات فى الرؤية والفهم، ومن ثم تعتمد على أسلوبٍ سهلٍ وهو إثارة الغرائز وعادة ما يكون خالياً تماماً من الجماليّات الفنية والمُعاناة الإبداعية والصدق، وكل وسائل نجاح العمل والتى تجعله جديراً بلقب «عمل فنى» وهذه المحدوديّة فى الرؤية والإمكانات من عوامل التشابُه والترابُط بينهما أيضاً.
>>>
ثالثاً: ينتج من الثقافتين فن بعيد كل البُعد عن ضمير الأمّة وذائقتها، فالثقافة التحريمية والتكفيرية تنتج تجهّماً وتشدّداً يبتعد عن المزاج العام المُتّسم بالوسطيّة وحب الحياة والمِتَع المشروعة، وبالتالى فإن فنونه تكون بعيدة تماماً عن المُتلقّى ولا تعبّر عنه، وعلى الجانب الآخر فإن الانحلال والمجون والابتذال تبتعد تماماً عن ضمير الأمّة ومزاجها وحتى لو استهوت البعض لدواع غريزية أو فضولية فإنها تكون من خلال الخلسة والخجل وتكون النظرة العامة لها هى نظرة احتقار واستياء، وبالتالى فهى بعيدة تماماً عن مكوّن الأمّة الوجدانى وطبيعتها ونشأتها ووسطيتها وأخلاقياتها.
>>>
رابعاً: المُحصّلة العامة من النتاج الأدبى والفنى للثقافتين هى مُحصّلة صفرية لا ينتج منها أى عائد إيجابى لصالح قضايا الأمّة وتطوّرها، لأن التجاوب مع الفن واستقبال رسالته يشترط التجاوب والتآلف والتوحّد وهذا ينتج من الصدق والاهتمام الحقيقى بالواقع والمرحلة التاريخية وطبيعتها وطبيعة قضاياها، كما أن الجمهور يتعلّق دائماً بالفن الجيّد والمُستوفى لشروط وقواعد وجماليّات الفن، وبالتالى فلا يوجد نتاج اجتماعى إيجابى بل على العكس هناك نتاج سلبى إما بالتجهّم والإحباط وإما بالإلهاء والاستسلام.
>>>
خامساً: وأخيراً فإن كلا الثقافتين يؤدّى إلى الآخر فالإفراط فى الكبت «كما هى الحال فى بعض البلاد التى اشتهرت بالتكفير وثقافة التحريم» ربما يؤدّى إلى الانفجار ويكون الجمهور دائماً جاهلا ومُتعطّشا للدمّ؛ و دائماهو الضحية وعلى الجانب الآخر فإن الإفراط فى الانحلال والابتذال ربما يصحو معه الضمير ولكن ردّة الفعل على هذا الإغراق فى المجون ربما تكون إغراقاً فى التوبة ولكن ليس بالمعنى الصحيح لها، ولكنها عادة ما تأخذ شكلاً مُتجهّماً ومُتشدّداً فى أقصى الجهة الأخرى، ثم تدريجيا تنتج «داعش وأخواتها»! وبالتالى فإن الثقافتين متشابهتان من حيث الطبيعة والنتائج وربما تلتقيان فى نهاية المطاف.. ولكن عادة ما يكون اللقاء على جثة الأمّة وثقافتها الوسطيّة ووحدتها وتقدّمها وانفتاحها الراقى الذى لا يخالف الدين.. وهو اللقاء الدامى الذى جنت ـ بالفعل ـ بعض بلادنا العربية والإسلامية ثماره المرّة خلال السنوات السابقة خاصة بعد ما سمى بثورات الربيع العربى «2011». حين تَعانقَ التكفير الداعشى مع الانحلال الثقافى.. فأنتج إرهاباً وفوضى تهدف بالأساس الى تقويض الدولة الوطنية والثقافة الوسطية المنفتحة والتى لاترى بأساً من الفن والجمال والديمقراطية فى كل مناحى الحياة ولكن بمعناه الأسمى والأقدس وهو ما تحاربه ثقافة التكفير وثقافة الانحلال معاً.. ولكى تنهض أمتنا العربية والإسلامية عليها أن تواجه هذان الوجهان للعملة الواحدة.. وفى ذلك فليتنافس المتنافسون!









