منذ أن وقف رمسيس الثانى على ضفاف نهر العاصي، بعد واحدة من أعقد معارك العصر القديم، كان العالم يشهد ميلاد مدرسة مصرية خالدة فى فهم الحرب وصناعة السلام. فالمعاهدة التى صاغها الملك المحارب، قائد الجيوش وبانى الإمبراطوريات، لم تكن مجرد وثيقة تنهى صراعًا مع الحيثيين، بل كانت إعلانًا مصريًا مبكرًا بأن السلام ليس استسلامًا، بل ذروة القوة، وأن المفاوض الحقيقى هو الذى يدخل قاعات التفاوض وهو قادر على العودة إلى الميدان إذا اقتضى الأمر. ومن هنا ولد ما يمكن أن نسميه اليوم «البراند المصرى للسلام»، صُنع بأيدٍ مصرية، ووُقِّع بحروف الدولة التى يتقاطع فيها سيف المحارب مع حكمة القائد.
>>>
رمسيس الثاني، بعبقريته العسكرية والسياسية، جسّد تلك الفلسفة قبل آلاف السنين. فقد خاض الحرب بثبات، وحمى الأرض بصلابة، ثم اختار أن يُنهى النزاع بمعاهدة سلام متوازنة أصبحت أول وثيقة من نوعها فى التاريخ الإنساني. إن هذا القائد الذى ملأ الدنيا حضارة وقوة، هو ذاته الذى رسم ملامح الدبلوماسية المصرية الكبري، ووضع بذور المدرسة التى استمرت حتى يومنا هذا. وما زالت معاهدة قادش المعروضة فى قلب الأمم المتحدة شاهدة على أن المصرى منذ فجر التاريخ هو من علم البشرية أن القوة الحقيقية ليست فى ساحة القتال فقط، بل فى القدرة على صوغ اتفاق يحفظ الأرض ويضمن الاستقرار.
>>>
هذه الروح الحضارية المتوارثة، التى نُقشت على جدران المعابد واستقرت فى الوجدان المصري، لم تكن يومًا أثرًا من الماضي، بل تحولت إلى «جين حضاري» يميز المفاوض المصرى فى كل عصر. فمن عاش فى أرض شهدت قيام أول دولة مركزية فى التاريخ، وتأسيس أول نظام إدارى وقانوني، ونحتت فنونها على الحجر، لا بد أن يتعامل مع الصراعات بعقلية مختلفة. المصرى لا يرى الحرب منعزلة عن السياسة، ولا السياسة منفصلة عن التاريخ، ولا التاريخ بعيدًا عن واجب حماية الدولة. ولذلك كان دوره دائمًا فى المنطقة دور الحائط الأخير الذى يمنع سقوط الإقليم فى الفوضي، ودور القائد الذى يعرف متى يستخدم القوة ومتى يفتح أبواب التفاوض.
>>>
ومن رمسيس الثاني، الذى جمع بين مقام المقاتل وحكمة المشرّع، إلى الدولة المصرية الحديثة، ظل هذا الإرث ممتدًّا لا ينقطع. فعندما واجهت مصر أعقد تحولات القرن العشرين، كانت أول من فهم ضرورة الانتقال من دائرة الصراع العسكرى إلى أفق السلام العادل. وقد انطلقت تلك الخطوة من قراءة واقعية لطبيعة المنطقة، تمامًا كما قرأ رمسيس الثانى المشهد بعد قادش. ومرورًا بمحطات كثيرة استطاعت مصر أن تثبت أن السلام خيار الأقوياء، وأن الدولة التى تعرف حجمها ودورها ومسؤوليتها لا تتردد فى صناعة المبادرة.
>>>
فعلها الرئيس السادات بطل الحرب والسلام بجراءة وقوة وعزيمة مستحضرا ومستدعيا للتاريخ المصرى العريق، وفى عصر الرئيس عبدالفتاح السيسى، بلغ هذا «البراند المصرى للسلام» مرحلة جديدة من النضج والاتزان والفاعلية. فمصر اليوم ليست مجرد دولة تدعو إلى التهدئة أو حل النزاعات، بل قوة إقليمية تمتلك رؤية شاملة لطبيعة التوترات فى الشرق الأوسط، وقدرة واضحة على هندسة التوازنات، ومكانة تؤهلها لتكون مركز الثقل الذى يُعيد الأمور إلى نصابها كلما اهتزّت. فالرئيس السيسى، بما يمتلكه من وعى استراتيجى ورؤية واقعية لطبيعة العالم الحديث، أعاد صياغة الدور المصرى كقوة صانعة للسلام انطلاقًا من نفس القاعدة الحضارية التى بُنيت عليها شخصية مصر عبر آلاف السنين: القوة التى تحمي، والعقل الذى يوازن، والقيادة التى ترى أبعد مما يراه الآخرون.
>>>
فمواقف مصر من أزمات غزة والسودان وليبيا، ومن ملفات الأمن الإقليمى ومكافحة الإرهاب، ومن جهود إعادة الاستقرار للشرق الأوسط، كلها تُجسّد تلك الفلسفة القديمة الحديثة. فلسفة تؤمن بأن سلام المنطقة ليس مسارًا عاطفيًا ولا خطوة تكتيكية، بل قرار استراتيجى يحتاج إلى دولة تمتلك قوة الردع بقدر ما تمتلك قدرة التفاوض. وهذا ما يميز مصر اليوم، فهى تتدخل فى اللحظة المناسبة، بالكلمة المناسبة، وفق حسابات دقيقة تحترم التاريخ وتحفظ المستقبل. وهى لا تنظر إلى النزاع من زاوية ضيقة، بل من رؤية شاملة تعى أن أمن الإقليم متصل، وأن انهيار دولة يعنى تهديد جميع الدول، وأن الاستقرار يحتاج إلى قادة يعرفون أين يقفون وماذا يريدون.
>>>
لقد ورثت مصر من رمسيس الثانى روح القيادة التى تجمع بين السيف والوثيقة، واستمرت هذه الروح عبر العصور حتى وصلت إلى الدولة المصرية الحديثة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى استطاع أن يجعل من السلام مشروعًا للدولة، ومن القوة ركيزة للحوار، ومن الاستقرار هدفًا وطنيًا وإقليميًا فى آن واحد. وهكذا يتأكد أن صناعة السلام ليست حدثًا طارئًا فى التاريخ المصري، بل هى علامة مصرية مسجلة، تمتد جذورها من معابد الأقصر ورمسيس الثانى إلى مؤسسات الدولة الحديثة، وتثبت أن مصر كانت وستظل دولة قوية قادرة على أن تحمى وتفاوض وتُعيد صياغة مستقبل المنطقة، تمامًا كما فعلت منذ آلاف السنين.









