لم تكن كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسى، أثناء افتتاحه عددًا من المشروعات التنموية، مجرد تعليق عابر على مسلسلات رمضان، بل كانت إصبعًا وضعتها القيادة السياسية على جرح نازف فى جسد الوعى الجمعى المصرى.. جرح اسمه «الانزياح القيمى» الذى تسلل إلى أكثر الفنون جماهيرية وتأثيرًا، وهو الدراما.. الانتقاد الرئاسى، الذى حظى بترحيب واسع على منصات التواصل الاجتماعى، لم يكن موجهاً ضد «الثراء الفاحش» كظاهرة بصرية فقط، رغم خطورتها فى مجتمع لا يزال ملايين أبنائه يواجهون تحديات اقتصادية.. لكن النقاش الأعمق كان حول الفلسفة التى تقف خلف هذه الصورة: الانفصال التام عن واقع الأسر المصرية، وتسويق نمط حياة استهلاكى مفرط، يضع العلاقات الأسرية على شفا الهاوية، ويجعل من «الرفاهية» معيارًا للنجاح والسعادة. من «بيت العائلة» إلى «فيلات المنفى» إذن لنقارن للحظة.. لو غيرنا القناة بمنتهى البساطة بين زمنين.. زمن كانت فيه الشاشة تعرض لنا «الضوء الشارد» لأسرة الدكتور يوسف، حيث الكفاح المشترك للزوج والزوجة هو محور بناء الحلم، و«أميرة فى عابدين» التى جسدت فيها الفنانة القديرة سميرة عبدالعزيز نموذج المرأة المصرية المتزنة، القوية فى أدائها لدورها الأسرى، والصامدة فى وجه التحديات، حيث كانت الدراما آنذاك مرآة تعكس جزءًا من هموم المجتمع وتطلعاته، وتقدم نماذج يُحتذى بها فى التضحية والعطاء.. بينما اليوم، صرنا أمام أعمال درامية لا ينكر بعضها جودة الإنتاج التقنى، لكنها تقدم عوالم موازية.. عوالم من «الفيلات الفارهة» و«السفريات العابرة للقارات» و«صراعات الميراث والمكائد» التى أصبحت هى الإطار الأساسى للحبكات.. حيث الأسر التى نراها على الشاشة نادرًا ما تجمعها مائدة طعام، والأمهات تحولن من «أم أحمد» الحنونة والحازمة إلى شخصيات هامشية أو متصارعة مع بناتها، الأب، ذلك الرمز التقليدى للحكمة والمسئولية، إما غائب أو ضعيف أو منغمس فى صراعاته الخاصة. التفكك الأسرى.. صناعة درامية! وفى تقديرى أن الرسالة الخطيرة التى تروجها هذه النماذج هى تفكيك مفهوم الأسرة المصرية المتماسكة، فعندما تتحول العلاقة بين الزوجين إلى علاقة صفرية، يفوز فيها الأقوى ماديًا أو الأكثر مكرًا، وعندما يصبح «الطلاق» هو الحل الأول لأبسط الخلافات، وعندما يصور الشباب والفتيات على أنهم مجموعة من الأنيقين المتأنقين، المنفصلين تمامًا عن هموم وطنهم وأسرهم، فإننا ببساطة نقدم «دليلاً عمليًا» للتفكك.. وبكل تأكيد هذا لايعنى أن المشاكل الأسرية غير موجودة، أو أن الأسر الغنية ليست جزءًا من نسيج المجتمع.. لكن الفن الهادف ليس مجرد ناقل للواقع، بل هو مُشكِّل للوعى أيضًا.. الدراما ليست سلعة ترفيهية فقط، بل هى رصيد مصر الناعم، وإحدى أدواتها فى بناء الإنسان وتشكيل ثقافته.. حيث بإمكانها أن تكون جسرًا لنقل الصورة الحقيقية عن مصر، مجتمع الصمود والكفاح والقيم الأصيلة، وليس مجتمع «الثراء الفاحش» والعلاقات السطحية. كلمة الرئيس السيسى هى تذكرة للضمير الفنى.. دعوة للمنتجين والكتاب والمخرجين إلى إعادة اكتشاف «روح مصر» التى تختزن آلاف القصص الملهمة، قصص من أحياء القاهرة والشوارع الجانبية فى الأقاليم، ومن داخل بيوت بسيطة تخرج العظماء.









