شهدت كلية دار العلوم بجامعة القاهرة إحدى أبرز فعاليات “مهرجان الثقافة المصرية”، بإقامة ندوة وثائقية بعنوان “النشيد الوطني ذاكرة أمة، برعاية د. محمد سامي عبد الصادق رئيس الجامعة، وإشراف العميد د. أحمد بلبولة وتنظيم “أسرة طلاب من أجل مصر”.. شهدت الندوة حضورًا واسعًا من قيادات الكلية وأعضاء هيئة التدريس والطلاب.
استُهلّت الندوة بأداء جماعي للنشيد الوطني بصوت “ماريا عطية المعيدة بكلية الفنون الجميلة، ثم أغنية “أنا المصري” في أجواء اتسمت بتفاعل وجداني كبير من الحضور.
أكد العميد د احمد بلبوله إلى أن اللائحة الدراسية الجديدة بالكلية أولت أهمية خاصة لدراسة الذاكرة الشعبية ومكونات الهوية المصرية الأصيلة من خلال مقررات الفن المصري والأدب الشعبي، مؤكدًا أن إحياء التراث الوطني وفي مقدمته النشيد الوطني يمثل ركيزة جوهرية لبناء وعي طلابي مستنير وتكوين شخصية وطنية متوازنة تعي تاريخها وتتمسك بهويتها.
أشار العميد أن تعزيز الوعي الثقافي لدى الطلاب يمثل أحد محاور الخطة الإستراتيجية للجامعة موجها الشكر لأسرة طلاب من أجل مصر على جهودها في تنظيم “مهرجان الثقافة المصرية” الهادف إلى صياغة خطاب ثقافي جديد يعكس القيم الحضارية والإنسانية للجمهورية الجديدة.
أوضح الدكتور صفوت علي صالح وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث، أن افتتاح المتحف المصري الكبير كان مصدر إلهام لهذا الحراك الثقافي الذي تشهده جامعة القاهرة، لما يحمله من رمزية حضارية تسهم في صياغة شخصية شبابية واعية. وأضاف أن النشيد الوطني يمثل أحد أهم رموز الهوية المصرية التي تبعث في النفوس مشاعر الفخر والاعتزاز عند عزفها في مختلف المحافل الوطنية.
تحدث الدكتور علي عبد القادر وكيل الكلية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، عن القيمة الوجدانية للنشيد الوطني في تعزيز روح الانتماء والحنين للوطن، خصوصًا لدى المصريين المغتربين، مستشهدًا بتجربته الشخصية خلال فترات سفره خارج البلاد.
وعن رحلة النشيد الوطني عبر الزمن، قدمت د إيمان مهران محاضرة ثرية اتسمت بالعرض الوثائقي والتحليل التاريخي، تناولت فيها:
أوضحت الدكتورة إيمان أن أول “سلام ملكي” لمصر عُزف عام 1869 خلال افتتاح قناة السويس. كان هذا السلام مقتبسًا من مارش الانتصار في أوبرا عايدة للموسيقار العالمي جوزيبي فيردي، ليُستخدم لاحقًا كسلام رسمي في عهد أسرة محمد علي. كما بيّنت أن اختيار فيردي يعكس حضور مصر الثقافي عالميًا خلال تلك الحقبة وانفتاحها على الفنون الأوروبية.
استعرضت د ايمان ظروف اعتماد نشيد “والله زمان يا سلاحي” في 20 مايو 1960، من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل وغناء أم كلثوم، مشيرة إلى دوره المركزي في مرحلة الصمود الشعبي أثناء العدوان الثلاثي مسيرة إلى أنه ظل نشيدًا رسميًا لمصر حتى 1979، كما تبنته دول عربية مثل العراق وليبيا.
أوضحت إيمان أن نشيد “بلادي بلادي” لم يولد داخل المؤسسات الرسمية، بل نشأ بين الناس عام 1923 عند استقبال سعد زغلول من المنفى.صاغ كلماتها الشيخ يونس القاضي مستلهمًا خطبة مصطفى كامل الشهيرة عام ١٩٠٧ بينما لحنه العبقري سيد درويش.وتم اعتماده رسميًا عام 1979 بقرار من الرئيس أنور السادات، ليصبح رمزًا للدولة المصرية حتى اليوم.
بيّنت الدكتورة إيمان أن نشيد “اسلمي يا مصر”، من تأليف مصطفى صادق الرافعي وتلحين صفر علي، لم يكن يومًا نشيدًا رسميًا للدولة؛ بل كان أحد الأناشيد الوطنية التي انتشرت مع بدايات الحركة الوطنية في عهد عباس حلمي الثاني مؤكدة أن تعدّد الأناشيد الوطنية عبر الزمن يعكس الحراك الشعبي المتواصل نحو الاستقلال وصون الهوية الوطنية.
اشارت د مهران إلى لمحة وافية عن حياة الشيخ يونس القاضي، تلميذ مدرسة مصطفى كامل الوطنية، ودوره في كتابة النصوص الوطنية والمسرحية. وذكرت أنه أول رقيب مصري على المصنفات الفنية، ورائد في تأليف المسرح الغنائي والزجل السياسي. كما قدّمت نماذج سمعية من أشهر أعماله التي لحنها سيد درويش وعبد الوهاب، مؤكدة أن إنتاجه الثرى شكل وجدان المصريين عبر عقود.
في ختام الندوة، توجّه د بلبوله بالشكر للدكتورة إيمان مهران وأهداها درع الكلية ، تقديرًا لقيمتها الأكاديمية ومحاضرتها التفاعلية، ولما قدمته لدار العلوم من وثائق تاريخية نادرة حول مسيرة النشيد الوطني حصلت عليها من مصادرها الأصلية في فرنسا. وقدم التحية لأسرة طلاب من أجل مصر على تنظيم المهرجان، وفاطمة سعيد أمينة الكلية ، د أحمد الشيمي ، سيد مصيلحي ـ مدير رعاية الشباب على جهودهما في تقديم الندوة والتخطيط لفعاليات المهرجان.
أُسدل ستار الندوة بأغنية وطنية قدمتها ماريا عطية وسط تفاعل واسع من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس. وأعرب الحضور عن تقديرهم للجهد المبذول في إبراز تاريخ النشيد الوطني ورمزيته في تشكيل الوعي الوطني.

















