الترجمة من العبرية إلى العربية من أهم آليات بناء الصورة الذهنية عن «نصر أكتوبر» و«هزيمة كيبور» لذا كان من المهم فى ذلك المسعى إعادة طبع ونشر كتاب»انتصار أكتوبر فى الوثائق الإسرائيلية» وبعد صدوره عن المركز القومى للترجمة منذ ما يزيد عن العقد من الزمان، ونفاد نُسَخه، تمت طباعته من خلال سلسلة «العبور» التى اتشرف برئاسة تحريرها، وعن ترجمة هذه الكتاب الذى يكشف بعضًا من الوثائق إذ يُشير الكتاب الدكتور ـ الراحل ـ إبراهيم البحراوى أستاذ الدراسات العبرية بجامعة عين شمس، وصاحب فكرة هذا المشروع الوثائقي، ويتحدث عن مدى الصعوبة التى واجهته للحصول على نصوص الوثائق، والتى نشرها أرشيف الجيش الدفاع باللغة العبرية، لما تمثله تلك الوثائق من حق وطنى وتاريخى للأجيال الجديدة، حيث حجب الإسرائيليون هذه الوثائق لمدة أربعين عاماً ـ زمن صدور الكتاب منذ أثنى عشر عاماً ـ ليخفوا حقائق الانتصار المصري، ويحفظوا معنوياتهم من الانهيار، ولم يكتفوا بذلك بل إن الجيش الإسرائيلى عندما نشر أرشيف الوثائق على موقعة الإلكترونى قام فى الوقت نفسه بوضع عقبات فنية تحول دون الاطلاع عليها بسهولة بالنسبة للباحثين المصريين تحديدا، إلا إن فريق من خبراء المواقع الإلكترونية تمكن من التغلب على هذه العقبات.
وهنا لنا وقفة تكتيكية تستوجب أولاً: الإلمام التام، والكامل بكافة الوثائق ذات الصلة بهزيمة جيش الدفاع، والصادرة عن الجانب الصهيوني، خاصة فى السنوات التالية مباشرة لانعقاد لجنة «اجرانت» التى كانت نتائجها كاشفة عن مرارة الهزيمة بحقائق ساطعة سطوع الشمس، لا يقدر حتى المنافق القُح أو الكاذب الأشر عن إخفائها، وتحديداً تلك الفترة ما بين 1074 وحتى 1979 التى انتشرت فيها اعترافات القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين بل والمفكريين والأدباء والإعلاميين من الصهاينة فجميعهم تملكتهم ـ حينها ـ قسوة الهزيمة ولم يستطيعوا التسلل من واقعها الأليم.
ثانياً: من المهم ـ بالضرورة ـ ترجمة إلى العربية من العبرية تلك الوثائق العسكرية والتقارير الأمنية والنصوص الأدبية التى توثق شهاداتهم عن الهزيمة وإقرارهم بنتائجها.
ثالثاً: إتاحة تلك المضامين ذات القوالب المختلفة والمتنوعة ما بين مذكرات أو تقارير أو مؤلفات وغيرها لتكون فى متناول الإطلاع المباشر والميسر للشباب من الأجيال القادمة.
تلك المراحل الثلاث السابقة تعد آلية مهمة لمواجهة حملات التكذيب من الجانب الصهيونى للحقيقة المطلقة وهي: نصر أكتوبر وهزيمة كيبور، كما إنها تدعم جهود الدولة الشاملة فى تحصين الوعى الجمعى ضد الهجمات الوافدة من الجانب الصهيونى المباشرة وغير المباشرة لمحاولات محو الصورة الذهنية عن هزيمتهم.
وهنا تستوقفنى رواية أحد قادة الفكر الإستراتيجى إذ يحكى لى عن تجربته الشخصية عندما كان موفدا لبعثة دراسية بجمهورية الصين الشعبية، وتحدث المحاضر عن معارك العصر الحديث ومنها معركة كيبور التى كانت معادلة بين الجيشين المصرى والإسرائيلي، وأكدت هذه التراهات الحوارات التى دارت بين الدارسين من الجنسيات المختلفة وكانت غالبيتها أوروبية، وأخذ يفند بالبراهين الدامغة أنها كانت تحمل نتيجتين لا ثالث لهما، الأولي: نصر للمصريين، والثانية هزيمة للإسرائيليين، وليست نتيجة واحدة «المعادلة» التى تتحدث عنها البرامج التعليمية والمناهج الدراسية فى معاهد وأكاديميات أوروبا، وبالتالى تناولها الدارسون بالعرض عن حقيقة مشوهة بشكل متعمد من الجانب الصهيوني.
وهنا كان مقتضى الحال يستوجب منا، أن نقوم بدورنا فى الدفاع عن «إرث النصر» وتحصينهم بالحقائق عن نصر أكتوبر وهزيمة كيبور، كما قال أحد قادة القوات المسلحة: «أنه كما كان على الجيش صناعة النصر بالدم والروح، استلزم للحفاظ على هذا النصر قيام النسق الثانى من الشعب بواجبه تجاه تحصين الوعى العام من الوافد من الهجمات الفكرية المشوة لهذا النصر وربما المغيرة لحقيقته بالكلية!»









