رحم الله عالم السنة النبوية الأبرز فى العصر الحديث.. د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر الذى لقى ربه منذ أيام قلائل بعد جهاد كبير فى نشر السنة النبوية الصحيحة والدفاع عن ثانى أهم مصادر المعرفة والتشريع الإسلامى، وناقل كل الآداب الفاضلة والأخلاقيات الراقية والسلوك المتحضرالذى علمنا إياه رسولنا الكريم «صلى الله عليه وسلم»، فقد عنى طوال حياته العلمية بنشر المثل والمبادئ الإسلامية التى تحقق لنا السعادة والطمأنينة وتجلب لنا رضا الخالق والمخلوق.
لتبحره فى السنة النبوية وإدراكه لكنوزها كان د.هاشم – رحمه الله – يحزن ويتألم لابتعاد بعض المسلمين عن هدى رسول الله وإهمالهم لتوجيهاته الكريمة ويؤكد أن هذا التغافل أو الاهمال أشاع البغضاء والسلوكيات المرفوضة بين الناس، وأدى لاختفاء قيم الرحمة والتكافل والمودة والعفو وغير ذلك من فضائل الإسلام التى تجسدت فى سلوكيات الرسول وأقواله وتوجيهاته صلوات الله وسلامه عليه.
كان د.هاشم ينشر بين الناس ضرورة تقوية جدار الثقة بين الإنسان وخالقه ليستمد الإنسان من ذلك ثقته بنفسه فيعيش عزيزاً كريماً.. فالله سبحانه وتعالى وحده القادر على أن ينفع الناس أو يضرهم، وعندما يؤمن الإنسان بذلك سيقوى إيمانه فى خالقه وتقوى ثقته فى نفسه، فلا يلجأ لأحد لا يملك له نفعاً ولا ضراً، وسيعتمد على عمله وجهده لكى يحقق طموحاته وأهدافه فى الحياة.
سألت العالم الأزهرى الراحل فى أحد حواراتى معه عن معنى ومغزى وصية رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، «احفظ الله يحفظك» فقال حفظ الله -عز وجل- يكون بالإيمان به والعمل بأوامره واجتناب نواهيه.. وهذه الوصية تؤكد حاجة المخلوق إلى خالقه فى كل أحواله، فإذا كان الإنسان ينشد السعادة والاستقرار والطمأنينة فى حياته الدنيوية فإن طريق ذلك كله هو الالتزام الدينى، والالتزام الدينى يعنى أن يدرك الإنسان حقيقة رسالته ودوره فى الحياة، ويدرك أنه لن يستطيع أن يعيش بدون هدف، وهدف الإنسان المسلم تحدده له عقيدته ورسالته الدينية والدنيوية.. فالحياة الطيبة التى ينشدها كل إنسان فى دنياه وأخراه لابد للحصول عليها من أداء الواجب ودفع الثمن وهو الإيمان والعمل الصالح.
إذن فالإنسان الذى يحفظ الله كما أرشدنا رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فى حديثه الشريف هو الذى يؤدى ما عليه من واجبات تجاه خالقه لكى يجنى ثمرة ذلك حياة طيبة، يحفظه الله فيها من كل مكروه ويوفر له كل عوامل الطمأنينة والاستقرار.
>>>
كان د.هاشم يرفض ويدين كل صور الدجل والشعوذة باسم الدين أو تحت ستار التدين، فالإسلام يحترم ويقدر عقل الإنسان وإرادته وعمله وكفاحه وسعيه الجاد لحل مشكلاته وتحسين أحواله.. ومن هنا لا ينبغى أن يلجأ الإنسان إلى طلب العون إلا ممن يملك بالفعل تقديم هذا العون، أما أن يلجأ الإنسان إلى من لا يستطيع أن يعين نفسه فهذا عبث مرفوض.
كان د.هاشم يؤكد دائماً فى أحاديثه وخطبه المنبرية أن وصايا وتوجيهات رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، تفرض على الإنسان أن يرفض رفضاً قاطعاً كل أعمال الدجل والشعوذة والاعتقاد فى الخرافات والأوهام واللجوء إلى من يزعمون علم الغيب، أو الاستعانة بأصحاب الأضرحة والقبور من أجل طلب الشفاء أو هلاك الأعداء أو قضاء الحوائج، فكل هذه أمور لا يقبلها عقل ولا دين.. وموقف الإسلام من الذين يلجأون إلى هذه الوسائل المرفوضة واضح وحاسم، فاستعانة الإنسان ينبغى أن تكون بالله وحده بعد اتخاذ جميع الوسائل الموصلة إلى الأهداف المرجوة، فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذى يعلم الغيب، وهو وحده الذى بيده مقاليد كل شئ «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول» وهو سبحانه قريب من عباده، وليس فى حاجة إلى وساطة من أى نوع والقرآن الكريم يطمئن الإنسان إلى هذه الحقيقة فيقول سبحانه فى خطاب موجه إلى النبى عليه الصلاة والسلام: «وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان» ويبين لنا القرآن أيضاً أن الله أقرب إلى الإنسان مما يتصور «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد».
مادام الأمر كذلك فالله وحده هو المستعان «إياك نعبد وإياك نستعين» وهو وحده الذى يستجيب الدعاء، والكفيل بقضاء الحوائج وضمان الأرزاق.. ووصية رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، «وإذا استعنت فاستعن بالله» تغلق الباب تماماً فى وجه أى مخلوق يتحكم باسم الدين فى رقاب العباد، أو يدعى أنه يستطيع أن ينفعهم أو يكشف عنهم الضر، فلا نفع ولا ضر إلا بإرادة الله الذى خلق الأسباب والمسببات، وأنعم علينا بالعقل الذى يرشدنا إلى الطريق القويم، وإدراك ذلك يعنى تحرير الإنسان من الخوف من سلطة منظورة كانت أو غير منظورة.
>>>
كان د.هاشم عالماً متسامحاً مع الجميع ولا يحمل ضغينة لأحد.. وأذكر أننى انتقدته فى مقال أثناء رئاسته لجامعة الأزهر، وبلغنى أنه غاضب جداً مما كتبت، فاتصلت به لترضيته وشرح مقصدى فرد على اتصالى مرحبا بى على عكس ما كنت أتوقع، وعندما بدأت الحديث فى الموضوع قاطعنى قائلا: «أنا قرأت ما كتبته وأحترم رأيك فأنت أحد أبناء الأزهر الذين نعتز بهم ولا داعى للحديث فى هذا الأمر من جديد فقد أغلقت صفحته وسوف نسعى للعمل بوصايا كل الإعلاميين الصادقين أمثالك، وأنا جاهز للإجابة عن أى سؤال لك فى أى موضوع آخر الآن وفى أى وقت».
كان رحمه الله مريضاً ويرد على الهاتف ويستجيب لما أطلبه منه وفى إحدى المرات أجريت حواراً معه عبر الهاتف على عدة مراحل نظراً لظروفه الصحية.
رحم الله عالمنا الكبير الذى ترك فراغاً كبيراً فى ساحة الذود عن سنة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فقد كان يحارب المنفلتين والجاحدين للهدى النبوى دون كلل أو ملل.. وعزاؤنا أنه ترك تراثاً كبيراً فى هذا الميدان، فهو أكثر علماء الأزهر قاطبة بحثا وتأليفا فى مجال السنة النبوية.









