تلك البلاد التى لم تكتفِ بأن تهدينا تراثًا من الفن والجمال والموسيقى والشواطئ، بل قدّمت للعالم موقفًا أخلاقيًا ناصعًا فى زمن عزّ فيه الموقف الشريف. إسبانيا اليوم لم تعد مجرد دولة أوروبية تطل على المتوسط، بل أصبحت ضميرًا حيًا يصرخ فى وجه الظلم، ويقف بجوار المظلوم حينما يتخاذل الكثيرون.
منذ اللحظة التى أعلنت فيها مدريد اعترافها الرسمى بدولة فلسطين، أرسلت رسالة إلى العالم أجمع أن الحق لا يُقاس بميزان القوة، وأن الكرامة الإنسانية لا تُساوم. هذا الاعتراف لم يكن خطوة رمزية فقط، بل كان صرخة فى وجه الاحتلال، ودليلًا على أن أوروبا قادرة – إن أرادت – أن تنحاز للقيم لا للمصالح. وهنا نقول من قلوبنا: شكرًا إسبانيا، شكرًا لأنك أعدتِ إلينا بعضًا من الأمل المفقود فى عالمٍ يغلب عليه النفاق السياسي.
لكن إسبانيا لم تكتفِ بالاعتراف، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين قررت حظر تصدير الأسلحة لإسرائيل، وأغلقت موانئها وأجواءها أمام أى شحنات عسكرية يمكن أن تغذى آلة القتل. إنها لم تكتفِ بالبيانات الإنشائية ولا بخطب التوازنات الباردة، بل تحركت بقرارات عملية، لتقول للعالم إن الدم الفلسطينى ليس رخيصًا، وإنه لا يمكن لإسبانيا أن تتواطأ مع مجزرة تُرتكب على مرأى ومسمع الجميع. كم نحن ممتنون لهذه المواقف التى تُعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتُعيد لنا الثقة بأن هناك من يجرؤ على الوقوف فى وجه الاحتلال بلا مواربة ولا خوف.
إسبانيا أيضًا مدت يدها بالمال والعون، فزادت دعمها الإنسانى للشعب الفلسطيني، وساندت مؤسسات الإغاثة الدولية، وأثبتت أن التضامن ليس شعارات على المنصات، بل قوافل دواء وغذاء تصل إلى غزة، ورسائل سياسية تُدين القصف والتهجير، وتؤكد أن الأرض لأصحابها وأن الشعب الفلسطينى لا يُمحى بقرار ولا يُنسى بجدار. إنّ ما فعلته مدريد يعكس شجاعة نادرة فى أوروبا، حيث تختبئ الكثير من الحكومات خلف مصالحها الاقتصادية وعقودها التجارية مع تل أبيب.
وهنا، يظهر البعد الآخر للعلاقة المصرية الإسبانية. فمصر التى تتحمل العبء الأكبر فى إدارة هذا الملف، وجدت فى إسبانيا شريكًا يفهم معنى العدالة ويدرك خطورة اللحظة. زيارة ملك إسبانيا إلى القاهرة لم تكن مجرد بروتوكول، بل كانت رسالة دعم لمصر فى دورها المركزى تجاه القضية الفلسطينية. وتجلّى الامتنان المصرى واضحًا حين عبّر الرئيس عبد الفتاح السيسى عن تقدير مصر لهذه المواقف النبيلة. إنها علاقة تتجاوز السياسة لتصبح صداقة بين شعبين يعرفان قيمة التاريخ، ويحملان معًا همّ الاستقرار فى المتوسط.
إننا نحب إسبانيا لأنها قالت ما عجز عنه كثيرون، وفعلت ما لم يجرؤ عليه آخرون. نحبها لأنها كسرت جدار الصمت الأوروبي، ووقفت فى الجانب الصحيح من التاريخ. نحبها لأنها تذكّرنا أن هناك دائمًا من يرفع راية الحق عاليًا حتى وسط العواصف. نحبها لأنها بلد الشرفاء الذين لم يبيعوا ضمائرهم عند أول امتحان.
ليت بقية الحكومات الأوروبية تتعلم من إسبانيا، ليتهم يفهمون أن السياسة بلا أخلاق عبء على الإنسانية، وأن المواقف الجريئة تصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا من أى صفقات اقتصادية أو مساومات دبلوماسية. فى زمن الصمت، كانت مدريد صوتًا، وفى زمن الخوف، كانت مدريد شجاعة، وفى زمن التخاذل، كانت مدريد وفاءً للحق.









