لا يختلف اثنان على أن الاستثمار في رأس المال البشري لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لأي دولة تسعى لتحقيق تنمية مستدامة. فالعوائد لا تتوقف عند حدود المكاسب المالية، بل تمتد لتشمل تحسين جودة الحياة، ودعم الابتكار، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات. ورأس المال البشري، ببساطة، هو ما يمتلكه الأفراد من معارف ومهارات وخبرات وصحة، تجعلهم ركيزة أساسية في النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
اليوم، تقف مجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمام نقطة تحول فارقة. فبينما تواجه بعض الدول تحديات تتعلق بزيادة أعداد الشباب وما يصاحبها من ضغط على سوق العمل، تعاني دول أخرى من الشيخوخة السكانية والضغوط على أنظمة المعاشات والرعاية الصحية. يضاف إلى ذلك التغيرات المناخية المتسارعة وثورة الرقمنة التي تعيد تشكيل أسواق العمل عالميًا.
وفي خضم هذه المتغيرات، تدرك الدولة المصرية أن الرهان الحقيقي على المستقبل يكمن في الاستثمار بالإنسان. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما أطلقته وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع المعهد القومي للاتصالات عبر مبادرة “الانطلاق الوظيفي في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات”، التي تستهدف تأهيل الكوادر الشابة لسوق العمل التكنولوجي، بما يتسق مع استراتيجية “مصر الرقمية”.
هذه المبادرة ليست مجرد برنامج تدريبي، بل رؤية متكاملة لتزويد الشباب بمزيج من التأهيل الأكاديمي والعملي، بالتعاون مع كبرى الشركات المحلية والعالمية. وهي امتداد طبيعي لمبادرة “شباب مصر الرقمية”، وتركز على تخصصات حيوية مثل الأمن السيبراني وشبكات الاتصالات، من خلال برامج تمتد لستة أشهر، تجمع بين التدريب التقني، وتنمية المهارات الشخصية، والتدريب العملي، وصولًا إلى شهادات مهنية معتمدة دوليًا.
الاستثمار في رأس المال البشري يثمر على جميع المستويات: فهو يفتح للأفراد أبوابًا أوسع للفرص والدخل، ويمنح المؤسسات قوة إنتاجية وتنافسية أكبر، ويعزز في الوقت نفسه مكانة الدولة اقتصاديًا واجتماعيًا عبر جذب الاستثمارات وتقليل البطالة والفقر. إنه استثمار يضمن حاضرًا أفضل ويؤسس لمستقبل أكثر استدامة.
باختصار، الاستثمار في رأس المال البشري هو استثمار في مستقبل مصر، وكل جنيه يُضخ في هذا المجال يعود بأضعافه من العوائد الاقتصادية والاجتماعية. مصر اليوم تبني جسرًا من المعرفة والمهارات ليمر عبره شبابها نحو المستقبل، مستقبل أكثر ازدهارًا وقدرة على المنافسة عالميًا.









