لدينا فى مصر – أفراداً وكيانات – مشكلة كبرى هى افتقاد أو إهمال «ثقافة الصيانة» فى كل ما نتعامل به ومعه من أدوات أو مرافق.
إنها مشكلة تبدو متجذرة فى العقل الجمعى المصرى على مستوى الإدارة بالذات ابتداء من إدارة المنزل إلى إدارة قطاعات ومرافق الدولة المختلفة.
وفى كل حادث كبير يقع فى أى قطاع أو مرفق من المرافق نكتشف أى غياب أو إهمال الصيانة أحد المتهمين الرئيسين فيه.
إن ثقافة الصيانة جزء أساسى فى عقلية التقدم والتحضر وغيابها يضع كل جهودنا وانجازاتنا القائمة والقادمة سواء فى البنية التحتية أو الفوقية فى مهب الريح.
يعرف ذلك كل من عمل أو عاش فى دولة متقدمة أو حتى زارها لأيام أو أسابيع.
لا يوجد منتج للاستخدام الشخصى أو المنزلى يباع إلا ومرفق به بيان بطريقة صيانته وجدول زمنى لمواعيد إجراء هذه الصيانة وأماكن إجرائها حتى انتهاء عمرة الاستهلاك الافتراضي.
يحدث ذلك ابتداء من الموبايل إلى السيارة إلى الأجهزة المنزلية خاصة الكهربائية وما يشابهها من أجهزة تكييف ومراوح وعدادات المياه والغاز والكهرباء وما يتعلق بها جميعا من صنابير ومواقد ولمبات.
ويحدث مثل ذلك فى قطاع الإنشاءات.. فمع ترخيص بناء أى عقار وثيقة من جهة إصدار الترخيص تحدد التزامات مالكه المتعلقة بصيانته.
ويصل هذا الالتزام إلى جميع المشروعات والمرافق التى تتولاها الدولة أو يقيمها القطاع الخاص فكل مشروع ينشأ أو مرفق يقام لا يتم تشغيله إلا ومعه برنامج صيانته والتزام برصد ميزانية خاصة لتغطية تكاليف هذه الصيانة.
هذه الثقافة لا تأتى من فراغ.. ولم تصبح جزءاً من عقلية هذه المجتمعات وأسلوب حياتها بطريق الصدفة كما أن هذه الثقافة لا تصدر عن اهتمام هذه المجتمعات بالجانب المادى وحده من الحياة.
صحيح أن الجانب المادى موجود ومهم.
فكل منتج أو مشروع أو مرفق يتكلف إنتاجه أموالا، وله عمر افتراضى ومن المهم الحفاظ عليه قابلا للاستعمال الآمن خلال هذه المدة.
لكن الالتزام بالصيانة لا يحقق فقط هذه الميزة بل قد يطيل هذا العمر الافتراضى أيضا وهذا مكسب إضافي.
لكن العنصر الأهم الذى يحققه هذا الالتزام هو أنه يجعل الحياة أفضل وأكثر راحة وأماناً وبعداً عن المفاجآت المكلفة.
فأنت تقود سيارتك مطمئنا على سلامة أجهزتها، وتعيش فى منزلك آمنا لأن كل الأجهزة التى تستعملها خضعت لبرامج الصيانة الخاصة بها.
وكما يحدث هذا للفرد والأسرة يحدث مع كل قطاع أو مرفق من قطاعات الدولة ومرافقها.
هذا ما يحقق ما نسميه «جودة الحياة» فى أى مجتمع، وهو أحد أهم المؤشرات الرقمية المستخدمة فى تقييم مستوى تقدم هذا المجتمع وتحضره.
وبالطبع فإن ثقافة الصيانة «حين تكون ثقافة وطن وأسلوب حياة مجتمع فإنها تنعكس على اهتمام كل فرد بصيانة نفسه، حماية وتعزيز صحته الجسدية والعقلية والنفسية واهتمامه بمظهره وسلوكه.
ومن هذه العناصر جميعها يتشكل الوعى المجتمعى العام بصيانة الوطن أرضه وسمائه ومياهه وبيئته وحماية المال العام والبعد عن أى إهدار أو مساس بموارده وقدراته ومقدراته.
هذه فجوة كبيرة مازالت تفصلنا عن المجتمعات المتقدمة وتحتاج إلى جهد مكثف ومنظم من كل أجهزة الدولة والمجتمع المدنى لجسدها.
نحتاج لمراجعة شاملة لأسلوب حياتنا على كل مستوي.. الفردى – الأسرى – التعليمى – الثقافى – الإعلامى – لبناء عقلية جديدة بثقافة جديدة وأسلوب حياة جديد.
فى الأسابيع الأخيرة، واجهنا عددا من الحوادث الكبيرة.. حريق سنترال رمسيس مثلا وتعطل محطة كهرباء جزيرة الدهب.
حريق السنترال قطع وسائل الاتصال فى كل المناطق التى كانت تعمل عليها شبكة الاتصالات به وتعطل محطة الكهرباء قطع التيار الكهربائى ومياه الشرب عن معظم قطاعات محافظة الجيزة وفى الحادثين كان غياب الصيانة أو إهمالها سببا رئيسيا أو أحد الأسباب.
تقادم شبكة الاتصالات بالسنترال المعمر دون صيانة أو تجديد.. واكتشاف أن خطوط الربط مع محطة الكهرباء تحتاج إلى تغييرها بشكل عاجل لانتهاء صلاحيتها.
وقس على ذلك عشرات من الحوادث السابقة خاصة فى قطاع الإسكان.. فوراء انهيار كل عقار غياب الصيانة، وعدم الالتزام بتنفيذ قرارات التنكيس، أو عدم الوفاء باشتراطات السلامة.
ويستطيع كل فرد منا أو أسرة أن يفترض وجود جهاز لكشف مستوى ثقافة الصيانة لديه مثل جهاز كشف الكذب ليدرك مدى التزامه أو عدم التزامه باشتراطات الصيانة فى كل ما يستعمله من أدوات أو يتعامل معه من مرافق.
نحتاج إلى برامج شاملة حكومية وغير حكومية لمراجعة كل مبانينا وعقاراتنا المتقادمة وفق مقاييس السلامة والأمان العالمية وتحديد ما أصبح منها خارج نطاق الخدمة وما لا يزال صالحا للاستمرار.
لا يقل أهمية عن ذلك ما تم انجازه من مشروعات هائلة خلال السنوات العشر الأخيرة فى كل المجالات للتأكد من وجود برامج صيانة لكل مشروع وميزانية سنوية لتمويل تكلفة الصيانة.
وأخص بالذكر مشروعات مبادرة «حياة كريمة» التى غيرت وجه الحياة فى مئات القرى المصرية والتى إن لم تصاحبها برامج صيانة دائمة فى مجتمعات لم تتعود بعد على التعامل معها فقد تتعرض – لا قدر الله – إلى انتكاسة.
الصيانة ثم الصيانة ثم الصيانة أساس حياة وتقدم المواطن والوطن.