لم تكن رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال الأيام الأخيرة مجرد كلمات فى مناسبة وطنية، بل حملت دعوة واضحة إلى الانتباه لطبيعة التحديات التى تواجه الدولة المصرية، والتحذير من خطورة الشائعات وتزييف الوعى ومحاولات العبث بالذاكرة الوطنية، فى وقت لم تعد فيه معارك الدول تُخاض بالسلاح وحده، وإنما أصبحت العقول والحقائق والإرادة الشعبية ساحات رئيسية للصراع.
وخلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، أكد الرئيس أن محاولات التأثير فى وعى المواطنين وتزييف الحقائق لا تزال مستمرة، مشيرًا إلى أن الذاكرة الوطنية تمثل خط الدفاع الأول لأى أمة،
لقد أثبت التاريخ أن إضعاف الدول قد يبدأ بمحاولات ضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، وبث الإحباط، وتضخيم الأزمات، وتقديم الأكاذيب فى صورة حقائق، واستغلال المشكلات الحقيقية لتغذية الغضب والفوضي. وهنا يجب أن نفرق بين النقد المسؤول الذى يكشف الخلل ويطالب بالإصلاح، وبين التضليل المتعمد الذى يختلق الوقائع أو يجتزئها بهدف إثارة البلبلة وزعزعة الاستقرار.
فالدولة القوية لا تخشى الحوار، والمجتمع الواعى لا يتخلى عن حقه فى السؤال والمحاسبة، لكنه فى الوقت نفسه لا يسمح بأن تصبح منصات التواصل الاجتماعى محاكم تصدر الأحكام قبل التحقق، أو ساحات لتداول اتهامات بلا أدلة.
الأسرة.. البداية الحقيقية لمعركة الوعي
تبدأ حماية الوعى من البيت؛ حيث يتعلم الأبناء كيف يفكرون، وكيف يتعاملون مع الأخبار، وكيف يميزون بين المعلومة والرأي، وبين الحقيقة والشائعة. ولم يعد كافيًا أن نحذر أبناءنا من مخاطر الإنترنت، بإن الأسرة التى تنشئ طفلًا قادرًا على السؤال والتفكير والتحقق، تضع حجر الأساس لمواطن يصعب تضليله أو استغلال مشاعره.
أما المدرسة والجامعة، فدورهما يتجاوز نقل المعرفة إلى بناء الشخصية القادرة على التفكير النقدى وفهم التاريخ وتحليل الأحداث. ومن هنا تأتى أهمية أن يتحول الوعى الرقمى والإعلامى إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات التعليمية، وأن يتعلم الطلاب التحقق من المصادر، وفهم أساليب التلاعب بالصور والمقاطع، والتعامل الواعى مع تقنيات الذكاء الاصطناعى التى باتت قادرة على إنتاج محتوى مزيف شديد الإقناع.
وقد دعا الرئيس، فى رسائله الأخيرة، إلى تحمل الجميع مسؤولياتهم فى مواجهة محاولات تزييف الوعي، مشيرًا إلى دور المدرس فى المدرسة والأستاذ فى الجامعة. ويأتى الإعلام فى قلب هذه المعركة؛ لأنه يستطيع أن يكون جسرًا للحقيقة، كما يمكن أن يصبح، إذا غابت المهنية، بوابة لانتشار التضليل. والمسؤولية هنا لا تقتصر على الإعلام التقليدي، بل تمتد إلى الصحفيين والإعلاميين .كما أن مواجهة الشائعات لا تكون بمجرد نفيها بعد انتشارها، وإنما بإتاحة المعلومات الصحيحة فى الوقت المناسب.فمصر لا تحتاج إلى مواطن يردد الكلام دون فهم، وإنما إلى مواطن واعٍ يعرف الحقيقة، ويسأل عنها، ويدافع عن وطنه بعقله قبل صوته، وبعمله قبل شعاراته. وفى زمن أصبحت فيه الشائعة أسرع من الحقيقة، يظل الوعى هو خط الدفاع الأول، وتظل وحدة المصريين وقدرتهم على التفكير والتحقق والعمل المشترك من أهم ركائز حماية حاضر الوطن ومستقبله.









