لا يمكن، من الناحية السياسية والإستراتيجية، فصل هجمات الحوثيين فى اليمن على المملكة العربية السعودية عن الصراع الممتد بين واشنطن وطهران، فهذه الهجمات الآن إحدى أبرز أدوات هذا الصراع الإقليمي، حيث تعتمد طهران بشكل أساسى فى سياستها الخارجية على عقيدة «الدفاع الهجومى المتقدم» عبر شبكة من الوكلاء الإقليميين»محور المقاومة» وجماعة الحوثى هى الركيزة الجنوبية لهذا المحور، وعندما تشتد الضغوط السياسية، أوالعقوبات الاقتصادية، أو التهديدات العسكرية من واشنطن على طهران، تُحرك الأخيرة أوراقها الإقليمية لتخفيف الضغط عنها، وبالتالى فإن قصف الحوثيين للمنشآت النفطية السعودية والمطارات رسالة إيرانية مشفرة لواشنطن وحلفائها بأن أى مساس بأمن طهران سيقابله زعزعة كاملة لأمن الطاقة العالمى واستقرار الخليج.
هذه هى الحقيقة بغض النظر عن عرض طهران للوساطة بين السعودية و الحوثيين، فبحسب تقاريراستخباراتية وأممية الطائرات المسيّرة الانتحارية، وصواريخ كروز، والصواريخ الباليستية بعيدة المدى التى يستخدمها الحوثيون لضرب العمق السعودى يتم تهريبها عبر ممرات بحرية وبرية معقدة من الحرس الثورى الإيراني، هذا الدعم التقنى واللوجستى المباشر يحول المواجهة العسكرية من صراع يمني-سعودى إلى مواجهة غير مباشرة بين التكنولوجيا العسكرية الإيرانية ومنظومات الدفاع الجوى الأمريكية لا خلاف فى أن الساحة اليمنية والتهديد الحوثى للسعودية تُستخدمان كأوراق ضغط قوية على طاولة المفاوضات السياسية بين إيران والقوى الغربية وعلى رأسها واشنطن، طهران تدرك مدى الحرج السياسى والأمنى الذى يسببه هذا التصعيد لواشنطن أمام حلفائها الخليجيين، ولذلك تفاوض واشنطن بطريقة غير مباشرة: التهدئة فى اليمن ووقف تمدد الحوثيين بحراً وبرّاً، مقابل تنازلات سياسية أو رفع للعقوبات عن إيران.
التحركات الحوثية الأخيرة وسيطرتهم على مناطق قريبة من باب المندب، وفرض حصار بحري، لايستهدف السعودية وحدها، بل يمس مباشرة الإستراتيجية الأمنية الأمريكية المصممة لحماية الملاحة الدولية وتدفق النفط، هذا الترابط يجعل واشنطن طرفاً أصيلاً بالأزمة، حيث تجد نفسها مضطرة للتدخل لضمان عدم خروج الأوضاع عن السيطرة الأمريكية.
الشاهد أن الأزمة اليمنية دخلت فصلاً جديداً من التعقيد يعيد رسم خارطة التوازنات السياسية والأمنية فى الشرق الأوسط، ولم تعد التحركات الميدانية المكثفة للحوثيين مجرد صراع محلى على السلطة، بل تحولت إلى أداة ضغط إقليمية بالغة الخطورة عقب الهجمات الصاروخية المكثفة التى استهدفت العمق الجغرافى والمنشآت الحيوية فى السعودية، ومطار الملك خالد الدولى بالرياض. هذا التصعيد وضع الممرات المائية وأمن الطاقة العالمى أمام معضلة حقيقية، ودفعت بالجانب السياسى والدبلوماسى إلى واجهة المشهد لبناء استراتيجية الردع.
يواجه الرئيس ترامب اختباراً حرجاً لعلاقاته الأمنية والتاريخية مع الرياض. فعقب الضربات الحوثية الأخيرة التى طالت البنية التحتية والمطارات السعوديةتأرجح الموقف الأمريكى علناً بين الإدانات السياسية الصارمة والدراسة الحذرة؛ إذ أدان وزير الخارجية ماركو روبيو الهجمات ووصفها بالتجاهل الواضح لحياة المدنيين، بينما صرّح الرئيس ترامب بأن واشنطن تدرس الخيارات المتاحة وقد تنضم إلى العمليات المضادة، وفى تفضّل واشنطن حتى الآن تجنب الانخراط العسكرى المباشر فى حرب برية أو جوية مفتوحة باليمن، مكتفيةبالمساندة غير المباشرة، وتقديم الدعم الاستخباراتى والعسكرى اللوجستي، فى المقابل، وظف الحوثون التصريحات الأمريكية الأخيرة سياسياً؛ حيث خرج عضو مكتبهم السياسى محمد البخيتي، بتحذيرات علنية ومباشرة لواشنطن من مغبة التدخل العسكرى المباشر إلى جانب التحالف، متوعدين بردّ سريع وموجع يستهدف المصالح الأمريكية فى المنطقة.. وتعكس هذه النبرة الحادة رغبة الحوثيين «ومن ورائهم طهران» فى فرض توازن رعب سياسى يمنع واشنطن من اتخاذ قرار بتوسيع مظلتها الحمائية للرياض إلى مستوى الهجوم الفعلي.









