يعيش العالم اليوم تحولاً تاريخياً كبيراً، فالذكاء الاصطناعي لم يعد فكرةً للمستقبل، بل أصبح حاضراً في التعليم والطب والقانون والإدارة والإعلام والترجمة والبحث والصناعة والتجارة والخدمات، ومع هذا التطور السريع، يخاف بعض الناس من أن يأخذ الذكاء الاصطناعي الوظائف، أو يسيطر على الحياة، أو يصبح سبباً في هلاك الإنسان. لكن الخوف وحده ليس علماً، والتشاؤم ليس حكمة. المطلوب أن نفهم هذا التطور، وأن ننتفع به، وأن نستخدمه بمسؤولية.
لقد وصفتُ الذكاء الاصطناعي بأنه «قلم عصرنا»؛ لأن القلم كان عبر التاريخ وسيلة الإنسان لتسجيل المعرفة ونشرها، أما اليوم فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يساعد الإنسان على البحث والكتابة والترجمة والتحليل والوصول إلى المعرفة بسرعة لم تكن ممكنة من قبل.
والقرآن الكريم يضع أمام الإنسان قاعدة عظيمة: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ” ويقول: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”، وهاتان الآيتان لا تدعوان الإنسان إلى الخوف من العلم والتقدم، بل إلى استعمال ما بين يديه بحكمة، وألا يجعل ما يصنعه سبباً في هلاكه. فكل قوة يمكن أن تُستخدم للخير أو للشر، والمسؤولية في النهاية تقع على الإنسان وطريقة استخدامه لها.
الذكاء الاصطناعي لا يُكره الإنسان، ولا يطمع في راتب أعلى، ولا يبحث عن منصب أو ثروة، ولا يشعر بالحسد أو الغيرة، وإذا حلّ مكان بعض الوظائف، فليس ذلك بالضرورة بسبب عداوة للإنسان، بل بسبب قاعدة بسيطة تحكم الحياة الاقتصادية: المنافسة.
إذا استطاعت شركة أن تقدم خدمة أسرع وأفضل وأقل تكلفة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فمن الطبيعي أن يتجه الناس إليها. وعندما تتبنى شركة هذا التطور، تضطر الشركات الأخرى إلى المنافسة، وهكذا قد تتغير وظائف كثيرة، ليس لأن الذكاء الاصطناعي يريد محاربة الإنسان، بل لأن السرعة والكفاءة والتكلفة أصبحت عوامل حاسمة.
وقد مرّ العالم بمثل هذه التحولات من قبل، فالسيارة غيّرت وسائل النقل، والحاسوب غيّر المكاتب، والإنترنت غيّر التجارة والإعلام والتعليم. والذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة، ولكن أكبر وأسرع.
ومن هنا يمكن النظر إلى المستقبل من زاوية إيجابية أيضاً. لقد عاش الإنسان الحديث لعقود طويلة في نظام يجعله يقضي معظم يومه في العمل والتنقل والبحث عن الرزق، حتى أصبح كثير من الناس لا يجدون وقتاً كافياً لأسرهم وأطفالهم ووالديهم وأصدقائهم أو حتى لأنفسهم.
قبل أكثر من عشرين عاماً كتبتُ عن هذه الحالة باعتبارها نوعاً من العبودية الحديثة للعمل، ولم أقصد أن العمل الشريف عبودية، فالعمل كرامة، ولكن عندما تتحول معظم حياة الإنسان إلى سباق دائم من أجل مجرد البقاء، فإن شيئاً مهماً من معنى الحياة يضيع.
فماذا لو تولى الذكاء الاصطناعي كثيراً من الأعمال المتكررة والمجهدة والخطرة؟ ماذا لو أصبح الإنسان يعمل ساعات أقل ويعيش أكثر؟
ربما يعيد الذكاء الاصطناعي إلى الإنسان شيئًا فقده في الحياة الحديثة: الوقت.
وقتاً للأسرة.
وقتاً للأصدقاء.
وقتاً للعلم.
وقتاً للتفكير.
وقتاً لخدمة الناس.
وقتاً للصلاة وذكر الله.
ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى اختفاء بعض الوظائف على أنه بالضرورة نهاية الحياة، وإذا تعاملت المجتمعات مع التحول بعدالة، ووزعت فوائد الإنتاج الجديد بصورة منصفة، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي سبباً في تخفيف كثير من أعباء الحياة.
وبالطبع توجد مخاطر حقيقية: سوء الاستخدام، الأسلحة، التضليل، الاحتيال، الاحتكار، والمراقبة، ولكن هذه المخاطر في معظمها مرتبطة بالإنسان الذي يطور الذكاء الاصطناعي ويملكه ويستخدمه، ولذلك فإن الخطر الأكبر قد لا يكون الذكاء الاصطناعي نفسه، بل الإنسان عندما يستخدمه بلا أخلاق ولا حكمة.
أما المؤمن بالله، فينظر إلى الأمر من أفق أوسع، ولا شيء في هذا الكون يحدث خارج علم الله وقدرته ومشيئته، والإنسان صنع الذكاء الاصطناعي بالعقل الذي منحه الله، وبالقوانين التي أودعها الله في الكون، وبالمعارف التي أذن للإنسان أن يكتشفها.
ولا يجوز لنا أن ننسب إلى الغيب ما لم يخبرنا به الوحي، ولكن يجوز لنا أن نتأمل: ربما يكون الذكاء الاصطناعي جزءاً من مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، وربما يصبح وسيلة لمساعدة الإنسان في مواجهة الكوارث، والأعمال الخطرة، والطب، والزراعة، والبناء، وإعادة الإعمار، وغيرها من المجالات.
أما نهاية العالم، فليست قراراً يتخذه الذكاء الاصطناعي، ولا شركة، ولا حكومة، ولا آلة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ”.
أي إن الساعة لا تقوم على من بقي يذكر الله ويقول: الله، الله، ولهذا لا ينبغي للمؤمن أن يعيش أسيراً للخوف من المستقبل. مصير العالم تحت علم الله ومشيئته، أما مسؤوليتنا فهي أن نعيش الحاضر بحكمة وإيمان وعمل صالح.
ورسالتي بسيطة: لا تخافوا من الذكاء الاصطناعي قبل أن تعرفوه، وتعلّموا كيف تنتفعون به، واستخدموه في العلم والتعليم والطب والبحث وخدمة الناس، وضعوا حدوداً واضحة لسوء استخدامه، ولا تجعلوا الخوف من المستقبل يسرق منكم الحاضر، واجعلوا ما يوفره من وقت فرصةً للأسرة والعلم والخدمة والعبادة، وتذكروا أن مصير العالم ليس بيد آلة، بل تحت علم الله ومشيئته.
قد يأخذ الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف، لكنه قد يعيد إلى الإنسان شيئاً أعظم: الوقت والحياة، ولقد أمضت البشرية قروناً وهي تتعلم كيف تعمل أسرع، وربما جاء عصر الذكاء الاصطناعي ليعلم الإنسان كيف يعيش أفضل، فالذكاء الاصطناعي قلم عصرنا، ونعمة إذا أحسنّا الانتفاع بها، لا سبباً للعيش في الخوف.









