لا يتعمد سامى مغاورى كفنان أن يقول ما يندرج تحت بند المجاملة السخيفة التى لا معنى لها ويظهر غير ما يبطن.. لأنه من النوع الذى يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الناس.. بلغ من الشهرة والنجومية ما بلغ وحقق عبر تاريخه الفنى الطويل الذى بدأ طفلا فى الإذاعة.. وتعود على الجدية والالتزام من الكبار لم يدرس فى معهد الفنون المسرحية لأنه حول سنوات دراسته فى كلية الحقوق إلى حقل تجارب فنية خاصة فى سكة المسرح بين التمثيل والإخراج والكتابة إذا اقتضى الحل.
تسأله عن أحوال الفن حالياً فيرد عليك بشكل مباشر عندما يتحول عيال وشباب السوشيال ميديا «اليوتيوب – التيك توك – الفيس بوك وغيرها» إلى نجوم على حساب من درسوا وتعلموا وتخرجوا فى كليات عليا أو معاهد الفنون فهذه مصيبة.. وعندما يصل الأوردر إلى ممثل كبير ثم يفاجأ وهو فى الاستديو قبل لحظات من التصوير بورقة فيها تعديل جذرى لما سبق له أن حفظه وتدرب عليه مع ان ورشة السيناريو التى خرج النص من تحت يدها فيها دستة من الذين شاركوا فى التأليف والنتيجة مخزية.. وعندما يأتيه أحد الأدوار كضيف شرف.. ويسألهم عن النص وتكون إجابتهم: بص يا أستاذ المفروض انك عايز تتجوز فلانة.. وهى كبيرة وانت أيضاً والبركة فيك ويعتمد على شطارته وخبرته وقد تركوا الكاميرا تسجل فى عمل تشاركنا فيه ثلاث مخرجات وعشرات الكتاب والنتيجة ان المشهد الذى لا يتجاوز 3 دقائق أصبح 12 دقيقة أو يزيد.
تعتبر سنة 1982 هى سنة الحظ.. عندما وجد نفسه فى استوديوهات الخليج أمام سيناريو عليه اسم أسامة أنور عكاشة وإخراج محمد فاضل «وقال البحر» وعمالقة من أمثال عزت العلايلى ومحمود المليجى وفردوس عبدالحميد وصلاح السعدنى وحمدى أحمد وجميل راتب وأمينة رزق ومحمود الحدينى.. وما ينتهى من هذا المسلسل حتى يجد نفسه فى حضرة القدير محمود مرسى وقد لاحظ ارتباك الممثل الشاب الذى أكمل الثلاثين أو يكاد يتصبب عرقاً فيأخذه جانبا ويهمس إليه بنبرة الأستاذ الأب: اسمع يا سامى انس تماما انك أمام ممثل اسمه محمود مرسى فكر فقط انك تواجه الشاويش طلب الرجل الذى ارتبط بحصانه ويود لو يبيع ملابسه من أجل أن يقتنى الحصان الذى أنهت الشرطة خدمته بعد أن شاخ.
هذا النص البديع الذى كتبه القدير محمد جلال عبدالقوى مبكرا جدا فى رحلة ابداعه العامرة.. انسانية الموضوع بين الشاويش والحصان جعلتهم فى المغرب العام الماضى يختارونه من أجمل المسلسلات رغم مضى أكثر من 44 سنة على العمل وكان مخرجه أحمد خضر هكذا كانت الكتابة من مبدع فاهم عنده رسالة مثقف يدرك ويعرف ماذا يقول وكيف ومتى ولماذا؟ ثم كوكبة من الكبار يجلسون إلى طاولة البروفات يناقشون كل صغيرة وكبيرة قبل بدء التصوير هكذا نتذكر الشهد والدموع وزيزينيا ورأفت الهجان والمال والبنون وليالى الحلمية وبوابة الحلوانى.. ولا نتذكر مسلسلات كانت تُعرض حتى مساء الأمس!!
ثقافة الممثل هى العنصر المكمل والأساسى للموهبة وبدون ذلك يتحول الممثل إلى ماكينة يمكن برمجتها حسب رغبة المخرج والمنتج.. ثقافة الممثل هى التى تجعله يدخل الدور وكأنه خُلق لأجله وحده فإذا ما خلع رداء الشخصية ودخل أخرى كان لها فتصبح قطعة منه ويصبح قطعة منها.. فلا يدهشك ان هذا الممثل يستطيع أن يقنعك بأنه المخرج الرهيب والمحامى الضليع والأب الخمورجى الفاشل والابن الطموح والضابط الهمام والمعلم الغليظ والعجوز المتصابى.. وكثيرا ما كنت أسأل نفسى مع أحفادى أتابع دور سامى فى مسلسل «اللعبة» وكيف نجح هذا «الملط» أن يمتلك كل هذه الخزانة من الأدوار المتنوعة بين مسرح جاد وهزلى.. من النقيض إلى النقيض.. ومن الساخن إلى البارد يعترف سامى بأن وجوده فى مجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية ان كان قد نفعه فى شيء لكنه جنى عليه وعلى ابنه كريم الموهوب فى أشياء عديدة.. وكان يكفيه أن يجامل هذا المنتج أو المخرج لكى يتم مجاملة ابنه.. وهو يعرف مسبقا ان كل شىء له ثمن وان المجاملة يعقبها تنازل ثم تنازل ثم تنازل حتى لو كان ابنه بشهادة الكل راضع الفن مع لبن الأم.
الدنيا تغيرت لكن المبادئ ثابتة عند من يدركون هذا وعليهم تحمل تبعات ذلك.. ولهذا يعترف بقلب جامد ان النجومية المفرطة التى يعيشها بعضهم وينتظر من الجميع خدمته وعندما تجبرنى ظروف أكل العيش على قبول مثل هذا العمل ينتفض المارد الموجود بداخلى وأصنع من دقائق معدودة على الشاشة دورا يرضينى قبل أن يرضى الجمهور وبالتالى يخطئ من يقول بأن أعماله كلها جيدة وأراه يضحك على نفسه.. فى عصر أصبح فيه المتفرج مع وجود السوشيال ميديا متفتحا أكثر من غيره.. انه يستطيع أن يتحول إلى ناقد فى لحظات معدودة من خلال صفحات الفيس وغيرها.
الفن وان كان فى مفهوم مغاورى وسيلة للترفيه.. لكنه من قبل ومن بعد رسالة حتى لو فى شكل عمل كوميدى يبسط الناس ويخفف عنهم.. وأنا ألعب الكوميديا بمنتهى الجدية وقد أدهشنى ان جمهورى اتسعت دائرته بوجود الأطفال والصبيان والبنات فى سن صغيرة وهؤلاء صعب اضحاكهم أو الضحك عليهم لأنها أجيال من العفاريت.. التكنولوجيا أخذتهم إلى ما هو أبعد من أعمارهم الحقيقية.. ومن لا يدرك ذلك سوف يخسر شريحة مهمة والفنان الشاطر عليه ألا يكرر نفسه ولا يتحول إلى نمط جامد.. وعندنا أمثلة لنجوم لم يطوروا أنفسهم واعتمدوا على نجاح جماهيرى فى فترة معينة وعمل بعينه وأرادوا أن يعيشوا فى سجن الشخصية التى لفتت أنظار الجمهور فكانت النتيجة: كتبوا شهادة وفاتهم بأنفسهم.. أنا شخصيا بعد كل هذا العمر الفني.. أشعر مع كل عمل جديد بأنى أمثل لأول مرة وأتمنى ألا تكون الأخيرة.









