يخرج الموجّه من المدرسة وقد راجع دفاتر التحضير، وتأكد من تصحيح التقييمات والاختبارات الشهرية، وفحص سجلات الحضور والانصراف، واطمأن إلى النظافة والمظهر العام، ثم سجّل الشكر والإشادة بإدارة المدرسة والمعلمين.
لكنه يغادر دون أن يعرف الإجابة عن السؤال الأهم: هل تعلّم الطلاب بالفعل؟ وهل يستطيعون قراءة ما يدرسونه وفهمه وتطبيقه؟ بل إنه لم يحدد مستوى تطور أداء التلاميذ بين زيارته الحالية والزيارة السابقة.
وهنا تكمن إحدى أخطر الفجوات التعليمية؛ إذ تتحول الإجراءات التي يُفترض أن تخدم العملية التعليمية إلى غاية في حد ذاتها، بينما يتراجع قياس مستوى التحصيل الدراسي إلى ذيل قائمة الاهتمامات.
قبل أكثر من عام ونصف العام، وخلال مرافقتي جولة مفاجئة لمحمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بمدارس إدارة قطور التعليمية بمحافظة الغربية، لفت انتباهي أسلوب الوزير في متابعة ما يجري داخل الفصول. لم يكتفِ الوزير بالمرور على الفصول أو الاستماع إلى شرح المعلمين، بل كان يختار عددًا من التلاميذ والطلاب عشوائيًا، ويطلب منهم القراءة أو شرح الدرس، ويتفقد كراساتهم، ثم يناقش معلم الفصل في المناهج الدراسية. وفي الوقت نفسه، كان مساعده لشؤون التطوير، الدكتور محمد المحمدي، يراجع بهدوء سجلات الحضور والانصراف، بعيدًا عن دائرة الحديث داخل الفصول.
المشهد يعكس أهمية الجمع بين مسارين لا غنى لأحدهما عن الآخر: متابعة الانضباط الإداري، والتحقق من مستوى التعلم الفعلي داخل الفصل.
لكن الملاحظات التي وصلتني من معلمين خلال الشهر الأول من العام الدراسي تكشف عن فجوة بين زيارات الوزير وما يحدث على أرض الواقع من جانب فرق المتابعة والإدارات المدرسية، وهي فجوة تستحق التوقف أمامها. فبينما تضع الزيارات الوزارية متابعة ما يتعلمه الطلاب ومدى تحصيلهم في المقدمة، تركز المتابعات اليومية، سواء من جانب المديريات أو الإدارات التعليمية، على دفاتر التحضير، وتصحيح التقييمات والاختبارات الشهرية، واستيفاء السجلات، والنظافة والمظهر العام؛ لتكون النتيجة أن لدينا محافظات وصلت فيها نسب عدم إجادة القراءة والكتابة إلى مستويات مخيفة.
إحدى المعلمات في الصعيد ذكرت لي أن إدارة المدرسة طالبتها بتجهيز معمل العلوم بستائر ومفارش للترابيزات، على نفقتها ونفقة زملائها، حتى تنال المدرسة إعجاب لجان التفتيش. وفي الوقت نفسه، تمتلئ مجموعات الأمهات بمناقشات حول جمع مبالغ مالية لشراء لوحات الأنشطة لتزيين فصول أبنائهن.
قد تبدو هذه الملاحظات تفاصيل صغيرة، لكنها في الحقيقة تمس جوهر العملية التعليمية، وتطرح سؤالًا مهمًا أمام وزارة التعليم: هل نقيس نجاح المدرسة بما استوفته من أوراق وإجراءات، أم بما حققه طلابها من تقدم في القراءة والفهم والتحصيل؟
لا خلاف على أهمية توثيق أعمال المعلمين وتصحيح التقييمات والامتحانات، لكن الخطأ يبدأ عندما يصبح استيفاء الدفاتر دليل النجاح الأهم، حتى لو جاء على حساب مستوى الطلاب. فالمعلم الذي يقضي وقتًا طويلًا في إجراءات إدارية، يخسر جزءًا من الوقت الذي يحتاج إليه لتشخيص نقاط ضعف الطلاب، وإعادة شرح الدروس، ومعالجة الفروق الفردية بينهم. والمدرسة التي تنشغل بمظهر المعمل أكثر من كفاءة استخدامه قد تحقق صورة جيدة، لكنها لن تحقق تعليمًا أفضل.
ولعل هذه الملاحظات تتقاطع مع ما طرحته نقابة المهن التعليمية برئاسة خلف الزناتي، نقيب المعلمين، في «وثيقة المعلمين» المقدمة إلى منتدى مصر 2026، والتي دعت صراحة إلى تخفيف الأعباء الإدارية عن المعلمين، بما يساعدهم على توجيه مزيد من وقتهم وجهدهم إلى مهمتهم الأساسية: بناء الطلاب علميًا وتربويًا. ويكتسب هذا المطلب أهمية كبرى مع اقتراب انعقاد المنتدى، حيث أعلن مجلس الوزراء تصدُّر قطاع التعليم فيه من حيث المشاركة والأفكار بين 19 قطاعًا.
من هنا، أتمنى أن تصدر وزارة التربية والتعليم توجيهات واضحة وحاسمة إلى المديريات والإدارات التعليمية، تؤكد أن تقييم مستوى الطلاب وجودة التدريس يجب أن يحتلا موقع الصدارة في الزيارة المدرسية، بالتوازي مع متابعة الانضباط الإداري.
ولترجمة هذا التوجه إلى واقع عملي، أقترح أن تتبنى الوزارة نموذجًا رقميًا موحدًا لتوثيق الزيارات، يُطلق عليه «البطاقة الرقمية للمدرسة»، يتضمن مؤشرات معلنة وموزونة بدقة، بحيث يُعطى الوزن الأكبر لقياس مستوى الطلاب الفعلي وقدرتهم على القراءة والفهم والتطبيق ومدى استفادة المعلم من نتائج التقييمات في علاج جوانب الضعف، بينما يُخصص الوزن التكميلي لمتابعة الحضور والسجلات والتجهيزات المدرسية.
إن إتاحة نتائج هذا التقييم الرقمي للمسؤولين المختصين ستساعدهم على كشف أوجه القصور بشفافية، وتحديد المدارس التي تحتاج إلى دعم، ومتابعة ما يتحقق من تحسن حقيقي بعد كل زيارة.
فالمدرسة الناجحة ليست التي تكتمل دفاترها فقط، ولا التي تبدو فصولها ومعاملها في أفضل صورة، وإنما التي يخرج منها الطالب وقد تعلم ما ينبغي أن يتعلمه. فالدفاتر قد تثبت أن الإجراءات نُفذت، لكن مستوى الطلاب وحده هو الذي يكشف ما إذا كانت هذه الإجراءات قد صنعت تعليمًا أفضل أم لا.








