من الثالثة إلى الثامنة.. معدات تحتاج إلى تحديث، وكوادر تتناقص، وتعاقدات مغلقة منذ سنوات، وقرار مطلوب لإنقاذ شاشات الأقاليم.
ليست أزمة القنوات الإقليمية فى ماسبيرو مجرد مشكلة فى نسب المشاهدة أو استوديو يحتاج إلى تجديد، بل نتيجة سنوات من التراجع، أضعفت الدور الذى أُنشئت هذه القنوات من أجله، رغم امتلاكها وجودًا فعليًا فى المحافظات، وخبرات مهنية متراكمة، وأرشيفًا يوثق حياة الناس وتفاصيل الأقاليم.
تغيرت خريطة الإعلام، وأصبح المواطن قادرًا على تصوير الحدث ونشره خلال دقائق، ولم يعد مقبولاً أن تنتظر القناة المحلية وصول الخبر أو تكتفى بإعادة نشر بيانات المحافظات، المطلوب إعلام يقترب من الناس، ويرصد مشكلاتهم، ويتابع الخدمات، ويمنح القضايا المحلية حقها فى التغطية والتحليل.
تتجلى الأزمة فى تقادم المعدات بعدد من المقار، بينها الخامسة بالإسكندرية، والسادسة بطنطا، والرابعة بالإسماعيلية، والسابعة بالمنيا، والثامنة بأسوان، مع تأخر الإحلال والتجديد. لكن الخطر الأكبر يتمثل فى تناقص الكوادر، مع خروج مذيعين ومعدين ومراسلين وفنيين إلى المعاش، دون إعداد بدائل كافية، فتحول الإجراء الوظيفى الطبيعى إلى استنزاف تدريجى للقدرة الإنتاجية.
فمن يعوض المذيع صاحب الخبرة؟ ومن ينقل معرفة المعد بتفاصيل محافظته إلى جيل جديد؟ وكيف تواجه القنوات احتياجات الإعلام الرقمى الحديث؟
الحل ليس فتح التعاقدات بلا ضوابط، وإنما وضع خطة شفافة لحصر العجز، وتحديد التخصصات المطلوبة، وتدريب الكفاءات وتعيينها وفق احتياجات العمل، مع الاستفادة من الخبرات المتراكمة.
ولا تقل اقتصاديات القنوات وتسويقها أهمية عن تحديث معداتها وكوادرها، فالقناة التى لا تعرف جمهورها ولا تقيس احتياجاته ستظل تدور فى دائرة مغلقة. لقد عادت القضية إلى أجندة الإصلاح، إذ أوصت لجنة الإعلام بمجلس النواب فى أبريل 2026 بوضع خطة لتطوير القنوات والإذاعات الإقليمية وفق خصوصية المحافظات، فيما تضمنت ملامح خطة إصلاح ماسبيرو فى يونيو دعم إعلام الأقاليم ورفع الكفاءة الفنية والبشرية، لكن الإصلاح الحقيقى يتجاوز تغيير الديكورات وشراء الأجهزة.
فلكل قناة خصوصيتها، الثالثة للقاهرة الكبري، والرابعة لمدن القناة، والخامسة للإسكندرية والبحيرة ومطروح، والسادسة والسابعة والثامنة لقصص الدلتا والصعيد الإنسانية والاجتماعية والثقافية، ليست هذه القنوات نسخًا مصغرة من الشاشات المركزية، بل منصات متخصصة فى الإنسان والمكان. المطلوب خريطة واضحة لدور كل قناة، وخطة لإحلال المعدات والكوادر، وتدريب مستمر، وحضور رقمى فاعل، وسياسة تسويق ورعاية، ومؤشرات أداء معلنة، وجدول زمنى للتنفيذ.
الإعلام الإقليمى قادر على دعم التنمية، والرقابة على الخدمات، واكتشاف المواهب، وصون ذاكرة المحافظات، لكنه لن يؤدى هذا الدور بعقلية الماضي.









