قبل أيام كشفت التحقيقات فى القضية المعروفة إعلامياً بـ«الشوش» براءة الزوجة القتيلة على يد زوجها بدافع الشرف كما تم الإعلان عن القصة وقتها، حيث أكد الزوج أن قتل زوجته تم بسبب علاقاتها المشبوهة بعد أن وصلته صور وفيديوهات تثبت ذلك خلال تواجده بدولة ليبيا للعمل.
جاءت التحقيقات لتؤكد براءة الزوجة الشابة من كل التهم التى دفعت حياتها ثمناً لها وهو ما أثبته تقرير الطب الشرعى وأكد عليه اعتراف الزوج المتهم أمام جهات التحقيق بأن الصور ومقاطع الفيديو التى استند إليها فى اتهام زوجته كانت مفبركة وهو ما نفى من الأساس مزاعم جريمة الشرف التى تم تداولها على نطاق واسع.
لكن خلاصة القضية فى نهايتها أن هناك زوجة شابة دفعت حياتها ثمناً لموروث فاسد واستحلال الاعتداء على المرأة فى ثقافات بعض المناطق.
والحقيقة أن هذه القضية على كل تفاصيلها فتحت الباب مجدداً وأشارت بقوة إلى ظاهرة عودة العنف ضد المرأة فى المجتمع، وبقليل من المتابعة لما ينشر على المواقع الإلكترونية والصحف الورقية ومواقع التواصل الاجتماعى فى هذا الاتجاه يؤكد أن المجتمع المعاصر يشهد تصاعداً مقلقاً وظواهر مؤلمة تؤكد على عودة موجة العنف ضد المرأة والتى تتخطى جرائم ما يسمى بـ«شرف العائلة» التى تستند إلى إرث ثقافى واجتماعى رجعى يخلط بين المفاهيم المغلوطة للكرامة وبين إزهاق الأرواح دون الاحتكام للعقل وللقانون.
ولا يقف الأمر عند هذا النوع من الجرائم، فسلسلة الاعتداءات الموجهة للمرأة تتزايد يوماً بعد آخر، من قصة الجزار الذى اعتدى على زوجته فى الشارع بشكل عنيف بسبب خلافات زوجية، إلى المتسول الذى اعتدى على زوجته أمام الجميع محدثاً بها إصابات بالغة لرفضها موافقته فى عمليات التسول، مروراً بحادث عروس الإسماعيلية التى تعرضت للضرب المهين فى ليلة الزفاف على يد عريسها وقبلها عروس المنوفية التى قتلت على يد زوجها بسبب الضرب المبرح.
ولا يتوقف الأمر عند موروث ثقافى أو فئة اجتماعية بعينها، ولعل الجميع يتذكرون مقتل لاعبة الجودو بثلاث طلقات نارية على يد زوجها فى مدينة الإسكندرية أثناء محاولتها حماية طفليها من اعتدائه عليهم.
كما شهدت مصر فى السنوات الأخيرة نوعاً جديداً من الجرائم وهى جرائم «العنف الإلكترونى» وجرائم «الرفض العاطفى» والأخيرة جرائم ارتبطت بالفئة العمرية الأصغر وكان أشهرها قضيتى «نيرة أشرف» و«سلمى بهجت» اللتين قتلتا على يد شابين رفضت كل واحدة منهما الارتباط به.
وعلى كثرة الأخبار المنشورة عن حوادث العنف التى تتعرض لها المرأة لكنها لا تمثل سوى جزء صغير من الصورة الشاملة وأياً كانت الأسباب التى تؤدى لذلك فى المجتمع.. لكن الثابت هو زيادة وتيرة العنف ضد المرأة خاصة فى العام الحالى 2026 وفق الشواهد وما تم رصده حتى الآن من وقائع، ويمثل الأمر ظاهرة خطيرة رصدتها الدولة المصرية من خلال الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء حيث أشارت نتائج المسح الأخير فيما يتعلق بالعنف داخل المنزل إلى تعرض نحو 28٪ من السيدات المتزوجات لإحدى صور العنف المباشر، وأظهرت النتائج أن نحو «25 ٪» تقريباً من السيدات اللاتى سبق لهن الزواج تعرضن للعنف الجسدى ويرجع ذلك إلى أن العنف الجسدى يعد أكثر أشكال العنف انتشاراً.. على أن ذلك لا يمكن أن يجعلنا نغفل الدور الكبير للدولة المصرية فى مواجهة الظاهرة التى ترجعت عملياً من 31٪ عام 2021 إلى 27.9٪ عام 2025 نتيجة الرؤية الواضحة والإرادة الحقيقية لتحسين أوضاع المرأة المصرية وحمايتها والتى تبلورت فى إطلاق الإستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة والتى جعلت مصر أول دولة على مستوى العالم تطلق إستراتيجيتها لتمكين المرأة.
كما تبنت الدولة من خلال الحكومة الإستراتيجية الوطنية للقضاء على العنف ضد المرأة والتى أقرت عام 2021، وأطلقت حسم التكلفة الاقتصادية للعنف ضد النساء، ورصدت زيادة حالات العنف بنسبة 33٪ خلال جائحة كورونا وتم التعامل معها.
إضافة إلى إنشاء وحدات خاضة للقضاء على العنف بالمجلس القومى للمرأة ووزارتى العدل والداخلية ومديريات الأمن ومكتب لحقوق الإنسان بكل قسم شرطة ووحدة مجمعة لحماية المرأة من العنف وعدد من مراكز الاستضافة خصصت للناجيات من العنف و28 وحدة لمكافحة التحرش بالجامعات الحكومية والخاصة وغيرها من الجهود.
وأخيراً تبقى الثقافة العامة والضبط الأخلاقى والتربية الحسنة أحجار زاوية رئيسية فى هذا الملف لتحسينه أو القضاء عليه نهائياً، وحتى تثمر جهود الدولة يجب أن يتحرك البرلمان لإنجاز ما تبقى من تشريعات تكمل ما تحقق فى حقوق المرأة، وأن تبادر وزارات الثقافة والشباب والتعليم لاطلاق مبادرة حقيقية تخلق وعياً حقيقياً وتغير الثقافات البالية والأعراف الجامدة لدى البعض وقبلهم الدراما والفنون المختلفة لأن يد الدولة لن تصفق وحدها.









