أمس وفى الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة احتفالات نصر أكتوبر، جاءت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى مؤثرة، تستدعى التأمل فيما وراء الكلمات. استمعت إليه، وشعرت بأن الرجل يتحدث من القلب؛ كلمات حاسمة وقاطعة، قرأت فيها حديث قائد يحمل هموم وطن، ويواجه تحديات متزامنة، ثم يجد من يتجاهل حجم المسئولية وثقل الأمانة
ودون مواربة، أقول للرئيس عبدالفتاح السيسى:
يا سيدى، هوِّن عليك، ولا تحزن ولا تبتئس ، لقد كنت، وما زلت، وستظل بإذن الله، بطلاً فى قلوب وعقول جموع الشرفاء الوطنيين من أهل مصر، المحروسة والمحفوظة بإذن الله. هناك من يدرك ما تحملته، وما تتحمله، ويعرف أن الحفاظ على وطن وسط هذا المحيط المضطرب عمل شاق، لا يُختصر فى كلمة، ولا يُقاس بضجيج عابر.
حين نقرأ التاريخ ونستعرض مسارات الأمم، ندرك أن الشعوب تُمنح بين الحين والآخر فرصة ذهبية، قد تغير مسارها وتصوغ مستقبلها. وفى تقديري، كانت فرصة مصر متمثلة فى هذا الرجل الذى ظهر فى لحظة فارقة من عمر الوطن، وحمل على كتفيه عبء دولة واجهت خطر التفكك والانهيار، واختار أن يصون بقاءها وسيادتها وكرامتها.
السيسى ليس مجرد رئيس جاء عبر صندوق الانتخابات؛ لقد حمل مشروعاً لإعادة بناء مصر، انطلاقاً من مفهوم «القدرة الشاملة» للدولة: جيش قوي، ومؤسسات متماسكة، وبنية تحتية حديثة، وقطاعات حيوية تستعيد قدرتها على خدمة الناس، من الكهرباء والطاقة إلى الطرق والإسكان، وصولاً إلى توسيع فرص التنمية وبناء الجمهورية الجديدة.
لكن الإنصاف يفرض علينا سؤالاً لا يجوز الهروب منه: هل أحسنّا، نحن جميعاً، استثمار هذه الفرصة؟ هل كانت الحكومات والمؤسسات والأفراد على قدر الحلم؟ أم تركنا البيروقراطية ودولة الموظفين والكسل والجدل العقيم تستنزف الوقت وتؤخر الثمار؟ لا يصح أن نطلب من الرئيس أن يفكر ويخطط وينفذ ويتابع، ثم نقف نحن على الرصيف، نراقب ونعلق وننتظر!
يا عزيزي، الأوطان لا يبنيها رجل وحده، مهما بلغت قوته وصلابته. نحن شركاء فى المشروع الوطنى، ولكل منا واجب: مسئول يتخذ القرار فى وقته، وموظف يصون مصالح الناس، وعامل يتقن عمله، ومؤسسة تراجع أداءها وتصحح أخطاءها. الامتنان الحقيقى عمل يؤديه صاحبه بأمانة، ومسئولية يتحملها دون أن يلقيها على كتفى غيره.
وأعرف أن الناس تحملت أعباء، وأن ضغوط المعيشة ثقيلة، وأن لكل أسرة مطالب مشروعة. والوفاء للوطن يقتضى أن نسمع هذه المطالب، وأن نعمل على تخفيف الأعباء، وأن نواجه التقصير بوضوح. فالمصارحة تقوى الثقة، وتصحيح الأخطاء يحمى الإنجاز، والاعتراف بتضحيات المواطنين جزء أصيل من الاعتراف بما خاضته مصر من تحديات.
أما ما يبعث الطمأنينة فى نفسي، فهو ذلك الإيمان الذى ألمسه فى حديث الرئيس؛ شكره لله، واستعانته به، ويقينه بأن الأخذ بالأسباب واجب، وأن التوكل يأتى مصحوباً بالتفكير والتخطيط والعمل. هكذا أفهم القوة: عقل يحسب، وإرادة تنفذ، وقلب يلجأ إلى الله حين تشتد العواصف وتضيق الخيارات.
وفى ذكرى أكتوبر، نتذكر أن العبور سبقه إعداد طويل، وتضحيات جسيمة، وتكامل بين الشعب وجيشه. وهذه الروح نحتاج إليها اليوم؛ روح ترى صعوبة الطريق فتستعد له، وتعرف قيمة الدولة فتحميها، وتدرك أن الانتقال من الحفاظ على الوطن إلى التقدم الشامل يحتاج جهداً يومياً وانضباطاً ومحاسبة وإصراراً.
ما يفعله السيسى اليوم سيقرأه التاريخ غداً، لكن التاريخ سيسأل عنا أيضاً: ماذا فعلنا حين أتيحت لنا فرصة البناء؟ هل تحملنا مسئولياتنا، أم اكتفينا بالتصفيق أو الشكوي؟ هل ساعدنا فى تحويل المشروعات إلى إنتاج وفرص عمل وحياة أفضل، أم عطلناها بالإهمال والتردد؟
يا سيادة الرئيس، هوِّن عليك. فى مصر قلوب تعرف قدرك، وعقول تدرك ثقل ما تحمله. وواجبنا أن نحول هذه المساندة إلى عمل يحفظ الوطن ويستكمل البناء. نسأل الله أن يحفظ مصر، وأن يسدد خطاك، وأن يعيننا جميعاً على أداء الأمانة.
لا تحزن.. إن الله معنا، يسمع ويري. ونحن مطالبون بأن نخلص النية، ونحسن العمل، ونصون العهد. تحيا مصر.









