لا شك أن الأوطان لا تبنى بالمشروعات وحدها، بل بوعى الإنسان وقدرته على التفكير والاختيار والمشاركة، ومن هنا، تأتى أهمية «منتدى مصر» باعتباره مساحة للحوار الوطني، لا تقتصر على طرح القضايا، بل تمتد إلى ابتكار حلول واقعية تعزز الانتماء، وتحمى الهوية، وتضع المواطن فى قلب صناعة المستقبل.
ولهذا يأتى محور «الوعى الرقمي» فى مقدمة القضايا التى تستحق نقاشآ جادآ، خاصة فى ظل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعى والتطبيقات الرقمية فى حياتنا، ولا جدال ان هذه الوسائل أتاحت فرصآ هائلة للتعلم والتواصل وتبادل المعرفة، لكنها فى بعض الأحيان تتحول إلى أبواب مفتوحة لانتهاك الخصوصية، ونشر الشائعات، والتشهير بالأفراد، واستدراج المستخدمين إلى محتوى مضلل أو سلوكيات تهدد أمنهم النفسى والاجتماعي.
وتزداد خطورة الأمر حين يتعلق بالأطفال والشباب، لأنهم الأكثر عرضة للجذب نحو العنف والتنمر، أو الاستقطاب لسلوكيات تتعارض مع قيم الأسرة المصرية وتقاليد المجتمع وهويته العربية والدينية، كما أن الإفراط فى استخدام بعض التطبيقات، والانجراف وراء «البلوجرز»، قد يؤثر فى تشكيل الوعى والقدوة لدى الأجيال الجديدة.
ومن هنا، اقترح مبادرة «الوعي.. لأسرة آمنة ومواطن مسئول»، لتعليم الأطفال والشباب مهارات التحقق من المعلومات، وحماية البيانات والصور الشخصية، والتعامل الآمن مع التطبيقات، والتصدى للتنمر الإلكتروني، والاستدراج والابتزاز، على أن تمتد المبادرة إلى أولياء الأمور والمدارس، من خلال برامج توعوية تساعد الأسرة على متابعة المحتوى الذى يتعرض له الأبناء، والحوار معهم دون تخويف أو مصادرة.
ولا ينبغى أن يتحول الوعى الرقمى إلى مجرد تحذيرات من مخاطر التكنولوجيا، بل يجب أن يقوم على بناء عقل متفتح يميز بين النافع والضار، ويحترم حرية التعبير دون التفريط فى الخصوصية أو القيم، ويستفيد من التكنولوجيا دون أن يفقد هويته أو يستسلم لتأثيراتها السلبية .
ويمكن أن تتكامل هذه المبادرة مع مقترحات أخري، مثل «بنك الأفكار الوطنية» لاستقبال حلول المواطنين ودراستها، و»ذاكرة وطن» لتوثيق بطولات المصريين وإنجازاتهم، و»مدرستنا تصنع المستقبل» لترسيخ التفكير النقدى والمسئولية والانتماء لدى الطلاب.
لم تكمن القيمة الحقيقية لـ»منتدى مصر 2026» فى كم حواراته او عدد جلساته، ولكن بقدرته على تحويل الحوار إلى مبادرات قابلة للتنفيذ، ومتابعة أثرها فى حياة الناس.
فى النهاية، بناء الإنسان الواعى هو أساس التنمية المستدامة، وحماية أطفالنا من مخاطر العالم الرقمى لا تتحقق بالمنع وحده، وإنما بالمعرفة والتوجيه والقدوة، لأن الوعى ليس شعاراً يرفع، بل مسئولية تمارس، والهوية ليست ماضياً نحتمى به، بل أساس ننطلق منه نحو المستقبل.









