تناولت الأسبوع الماضى الجدل المثار حول المطالبة بانضمام صحفيى المواقع الإلكترونية لنقابة الصحفيين والرفض له من عدة أوجه منها، إنه ليس «صراع أجيال» أو «استعلاءً ورقيًا ضد الديجيتال»، بل هو أزمة هيكلية واقتصادية ومحاولة بعض أصحاب الكيانات الهشة تصدير الأزمة إلى كاهل النقابة.
فجوهر المشكلة ليس «الوسيط»، لكن الإشكالية لا تكمن فى كون الصحافة «ورقية» أم «إلكترونية» فالمشاكل نفسها موجودة ومازالت فى صحف بئر السلم، وبدليل أن العديد من أعضاء النقابة يعملون بالفعل فى مواقع إلكترونية مستقرة، مقابل غياب الاستقرار التمويلى والهيكلى للكيانات الجديدة.
ومن ناحية ثانية أن النقابة تعانى بالفعل من أزمة حادة فى البطالة النقابية من جهة وتزايد أعباء النقابة من ناحية ثانية، بمحاولة توفير الحماية الاجتماعية والمظلة العلاجية وفرص العمل لأعضائها المقيدين حاليًا والذين شُرّدوا بعد إغلاق صحفهم؛ وبالتالى من الطبيعى لا يمكنها تحمل أعباء إضافية بضم آلاف العاملين فى كيانات قد تغلق أبوابها فى أى لحظة.
والعامل المهم هو غياب الأمان الوظيفى والحد الأدنى للأجور حيث تفشل معظم هذه المواقع فى تقديم أدنى مقومات التأسيس المؤسسي، حيث تعتمد على «السخرة والمكافآت المقطوعة» وتفتقر للتعيين بعقود رسمية أو تغطية تأمينية حقيقية للمحررين.
وفى ذات الوقت تعانى العديد من هذه المواقع خاصة مع ازمات الاعلانات من هشاشة التمويل حيث تُدار العديد من هذه المنصات الإلكترونية ككيانات افتراضية تنهار بمجرد تعثر تمويلها أو غياب شغف مالكها، أو تُستخدم كأدوات ضغط وتلميع لتحقيق مصالح ونفوذ لبعض رجال أعمال وليس كرسالة صحفية سامية، وتنعكس هذه الزمات فى المؤسسات الكبرى للدرجة التى أوقفت فيه المؤسسات القومية الكبرى التعيينات منذ سنوات بسبب الأزمات الاقتصادية.
الموارد النقابية والمعاشات:
إن النقابة ليست جمعية خيرية تتلقى الهبات، بل هى كيان مهنى يعتمد على التوازن الدقيق بين الموارد والمصروفات.. وتخوض مجالس النقابات المتعاقبة بشق الأنفس مفاوضات مضنية لتنمية صندوق العلاج وصرف معاشات الصحفيين والأرامل والأيتام، وتوفير حد أدنى من الخدمات الاجتماعية.
وتقف معضلة التمويل هنا صارخة بلا مواربة والسؤال: من أين ستدبر النقابة المبالغ المادية الضخمة اللازمة لتغطية العلاج والمعاشات والخدمات إذا تضاعفت أعداد أعضائها ثلاث أو أربع مرات دون أن تقدم هذه الكيانات الإلكترونية أية موارد أو رسوم أو نسب إعلانية حقيقية تغذى صندوق النقابة؟
ويرتبط بهذا الملف أيضاً تفكيك لغز «بدل التكنولوجيا والتصحيح» وهو بالمناسبة ليس حكرا على الصحفيين بل مقرر للعديد من الفئات التى يتطلب عملها أعباء اضافية إذ يتصوره البعض غنيمة باردة، بينما يمثل حقيقةً معركة تفاوضية شرسة مع الحكومة عبر سنوات حيث:
* ترتبط القدرة التفاوضية لزيادة البدل بعدد محدد ومحكوم من المستحقين، فإذا تضخمت أعداد الأعضاء بصورة عشوائية وغير مدروسة، ستتآكل القدرة التفاوضية للنقابة، وستتراجع نسبة الزيادة المقترحة للجميع.
* فى أوقات ازدهار الصحافة وتعدد منافذ العمل، كان «البدل» مجرد عنصر ثانوى يساعد الصحفى فى استكمال وتنمية قدراته التكنولوجية والمهنية، أما اليوم، وبعد انكماش السوق وإغلاق المؤسسات، تحول «البدل» إلى الدخل الأساسى بل ويمثل عصب الدخل والملاذ الأخير لآلاف العائلات الصحفية بالاضافة لزيادة اعباء الانترنت والموبايل على سبيل المثال.. وتخفيض البدل أو تجميده نتيجة تضخم الأعداد المقيدة يعنى تدميراً مباشراً للاستقرار الاقتصادى للجماعة الصحفية.
الحماية المهنية.. النقابة حصن الجميع
وأحد أكثر الحجج تسويقاً للمطالبة بضم صحفيى المواقع هو الحاجة إلى «الحماية المهنية» والنقابية عند التوقيف أو التعرض لملاحقات قضائية فى قضايا النشر والتعبير.
والرد على ذلك يأتيك صريحاً من تاريخ وحاضر النقابة الناصع.. نقابة الصحفيين لم ولن تتأخر يوماً عن الدفاع عن أى صاحب رأي، سواء كان مقيداً بجدولها أم لم يكن. إن مبنى النقابة بشارع عبدالخالق ثروت كان ولا يزال قلعة لكل الآراء ومعقلاً لكافة التوجهات السياسية والفكرية، ولم يسبق لمجلس نقابة أن يتنصل من مساندة صحفى أو كاتب أو مدون يواجه أزمة حرية رأى لمجرد أنه لا يحمل «كارنيه» النقابة.. الحماية المهنية والإنسانية توفرها النقابة بحكم دورها الوطنى والرسالي، لا بحكم خانة الجدول.
ومن جانب آخر، فإن العمل الإلكترونى المعتمد على الصور والفيديوهات والوسائط المتعددة (Multimedia) يتقاطع بصورة مباشرة وشبه كاملة مع طبيعة عمل نقابة الإعلاميين.. وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة: هل تعجز نقابة الإعلاميين عن القيام بدورها المفترض فى حماية أبنائها والعاملين فى الوسائط الإلكترونية والإعلام الرقمي، حتى يُطلب من نقابة الصحفيين وحدها تحمل كافة الأزمات والهياكل المتردية؟
الحل لا يكمن فى إغراق النقابة بالأزمات وتفكيك حمايتها الاقتصادية والمهنية، بل يكمن فى إجبار أصحاب المواقع الإلكترونية على تصحيح أوضاعهم القانونية والمالية أولاً، وتوفير عقود عمل حقيقية وتأمينات اجتماعية عادلة ورواتب كافية، جنباً إلى جنب مع مناخ حريات متسع يضمن حرية التعبير والتداول الحر للمعلومات، لتظل الصحافة رسالة عريقة وليست مجرد واجهة لرجال الأعمال ومنابر لتصدير الفشل.









