يبدأ «منتدى مصر 2026» جلساته يوم الإثنين القادم بمشاركة 9 آلاف مواطن من مختلف محافظات مصر وفئات الشعب فى حوار مباشر مع الحكومة التى تطرح سياسات الدولة وإنجازاتها، وتستمع إلى أسئلة ومقترحات المواطنين وترد عليها من خلال وزرائها المعنيين كل فى اختصاصه.
وهو أول حوار من نوعه بين الحكومة والمواطنين على هذا المستوي، وبهذا الحجم غير المسبوق من المشاركة الجماهيرية، لتحقيق التفاعل بين الطرفين، من خلال إيجاد أرضية من الفهم المتبادل، من جانب المواطن لسياسات الحكومة، ومن جانب الحكومة لرؤية المواطن لها، واحتياجاته الحقيقية منها.
وهو ثانى منصة عامة، بعد منصة «الحوار الوطنى» الذى بدأ قبل نحو ثلاث سنوات، وضم حشداً كبيراً من أبرز العقول والخبرات الوطنية، الأكاديمية والميدانية، فى كل مجالات السياسة والاقتصاد والقضايا الاجتماعية، وكان حواراً بين أطرافه، ومنفتحاً على بعض المشاركات من خارجه، بهدف استعراض وتقييم السياسات العامة للدولة، وتقديم الحلول والبدائل لما تواجهه هذه السياسات من انتقادات أو أزمات.
وقد أصدر هذا الحوار توصياته فى ختام أعماله، وتسلمتها الحكومة، وربما كان من المهم أن تكشف الحكومة عما فعلته بهذه التوصيات حتى يكون هناك جسر يربط بين تجربة تمت وتجربة جديدة تبدأ فالعبرة ليست بإقامة منصات للحوار والتفاعل الوقتى، بل بمدى المتابعة الجادة لنتائجها والاستفادة من هذه النتائج على أرض الواقع.
إن مشكلتنا دائما ليست فى الحكومة وسياساتها وقراراتها، ولا فى المواطن واحتياجاته وتطلعاته، لكنها فى المسافة بين الطرفين، وهى المسافة التى تقطعها سياسات وقرارات الحكومة حتى تلتقى عند المواطن باحتياجاته وتطلعاته.
هناك مقولة أتذكرها دائما لرئيس الوزراء البريطانى الأسبق «تونى بلير» المعروف جيداً لدينا فى الشرق الأوسط، وكان أول زعيم لحزب العمال البريطانى يقود حزبه للفوز فى الانتخابات العامة ثلاث مرات قضى من خلالها عشر سنوات رئيساً للوزراء من 1997 حتى 2007.
فعندما سئل بعدها عن أهم ما خرج به من تجربة السنوات العشر، قال:
أن تظن أن قراراتك تنفذ بمجرد أنك أصدرتها.. هذا لا يحدث.
وهذا جانب مهم فعلا، لكنه بالنسبة لنا فى مصر أحد جوانب المشكلة وليس كلها.. فالقرارات والسياسات تنفذ، ولكن.. متى وعبر أى آليات.. وهل تصل نتائجها بكاملها لمستحقيها المستهدفين بها؟!
هذه مشكلتنا الكبرى..
حكومتنا صادقة عندما تؤكد كل يوم أن المواطن هدفها الاول والاخير من كل ما تقوم به، وان ما يتحقق من تنمية وانجازات يصب فى مصلحة المواطن.. هذا أصلا واجب الحكومة ومسئوليتها الدستورية، وليس «اختياراً من متعدد» كبعض أسئلة الامتحانات المدرسية، لأنه ببساطة.. بدون المواطن، لا وطن، ولا دولة وطنية، ولا حكومة بالطبع، فهو حجر الأساس.
لكن الحكومة هنا تفكر وتتصرف بحسن نية، فهى تعتقد أن ما يتحقق من تنمية وانجازات يصب، أو لابد أن يصب فى مصلحة المواطن، لمجرد انها تعتقد ذلك، دون أن تحدد: أى مواطن تعني، وهل المواطن «أ» أو «ب» المستهدف بهذا القرار أو تلك السياسة هو ما صبت فى مصلحته أم أنها صبت فى مسار آخر.
إن ثمار التنمية التى تعد الحكومة المواطن بها أشبه بالسيل.. فالسيول إذا تركناها دون تحديد «مخرات» لها، وتوجيهها إلى الأهداف التى نريد أن تستفيد من مياهها، رياً أو زراعة، أو تخزيناً أو غيره فإنها لن تصل لذلك من تلقاء نفسها.
لابد من مسارات محددة لثمار التنمية، ولابد من ضبط وحوكمة هذه المسارات لضمان وصولها إلى مستحقيها بعدالة كاملة، ولابد أن نفرق بين مواطن يكد يتعب وينتظر أن تصله هذه الثمار، أو مريض أو مسن لا يقدر على العمل، ولا السعى للحصول عليها، وبين اخرين لا يعملون ولا يتعبون، ويدخرون طاقتهم ويجيدون السطو على هذه الثمار من المنبع قبل أن تصل إلى المصبات.
الحكومة تسعى لجذب وجلب أكبر قدر من الاستثمارات المحلية والأجنبية فى مشروعات لدفع عملية التنمية والصب فى مصلحة المواطن من خلال تحسين مستوى معيشته وجودة حياته وتطوير الخدمات المقدمة له وهذا مسار تنتهجه حكومات كل الدول بلا استثناء.
لكن كل مسار له آثاره الجانبية التى إن لم ننتبه إليها وننجح فى السيطرة عليها، فإنها يمكن أن تحقق نتائج سلبية، كأن تُحدث فجوة بين طبقات المجتمع، أو تغييرا فى تركيبتها، أو تزاوجًا بين رأس المال والسلطة، إلى غير ذلك.. وقد جربنا بعضًا من هذه السلبيات فى عهود سابقة، فقد تضخمت ثروات القلة بفعل الإفراط والتيسيرات التى تمنحها الحكومات كل يوم للمستثمرين، دون نظر إلى الجانب الآخر الذى فى أشد الحاجة إلى التيسيرات فى حياته وهو المواطن.
نحن فى حاجة فى سياستنا الاقتصادية الداخلية إلى استخدام مبدأ «الاتزان الإستراتيجى» الذى تطبقه فى علاقاتنا الدولية، لضبط العلاقة بين الأطراف المختلفة، وتحقيق أقصى قدر من العدالة.
نريد «الاتزان الإستراتيجى» فى التعامل مع أرقام ومؤشرات «الاقتصاد الكلى» للدولة والتى تؤكد ارتفاع معدلات النمو، والاحتياطى من النقد الاجنبى، والاستثمار وغيره، وبين معدلات «اقتصاد المواطن» و«ميزانية الأسرة».
نريد «الاتزان الإستراتيجى» فى التعامل مع طرفى اقتصاد المواطن والأسرة، وهما الأجور والأسعار وأن نتعامل مع الأجور والأسعار بمعيار واحد.. سواء كان العملة المحلية أو الدولار.
هذه أمور نحتاجها لضبط الإيقاع الداخلى للمجتمع وتحسين الحالة النفسية للمواطن التى هى أحد محركات «الوعى»، ولتصحيح أى خلل يظهر فى السياسات أو التوجهات من المنبع، قبل أن نتحامل على الحكومة أو نظلم المواطن.









