سعيد إمبابى: إتاحة البيانات الرسمية تعزز الشفافية
محمد علاء الدين: التكويد الرقمى والدمغ بالليزر يحفظ حقوق المستهلكين
تتصاعد أهمية حماية مدخرات المواطنين فى سوق الذهب المصري، مع تعدد صور الغش والتلاعب التى تشمل تغيير عيارات المشغولات وأوزانها، وتزوير الدمغات والأختام الرسمية وتقليد السبائك، بما يهدد حقوق المستهلكين ويضعف الثقة فى أحد أبرز الأوعية الادخارية التى يلجأ إليها المصريون للتحوط ضد التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة.
تأتى هذه المخاطر فى وقت سجل فيه إجمالى الطلب على الذهب فى مصر تراجعًا خلال عام 2025، وفقًا لتقرير مجلس الذهب العالمى الصادر فى 29يناير 2026 بعنوان «اتجاهات الطلب على الذهب: الربع الرابع وعام 2025 كاملًا». وبلغ إجمالى المشتريات 45.1 طن، بانخفاض يقارب
10 ٪ مقارنة بعام 2024، توزعت بواقع 21.5 طن من المشغولات الذهبية و23.6 طن من السبائك والعملات، مقابل 26.1 طن من المشغولات و24 طنًا من السبائك والعملات خلال العام السابق.
لا تتوقف تداعيات الغش عند الخسائر التى يتكبدها المشترون، بل تمتد إلى الإضرار بسمعة السوق، والإخلال بالمنافسة بين المصانع والتجار، والتأثير فى موارد الدولة، فضلًا عن تقويض القدرة التنافسية للصناعة الوطنية. ويرى خبراء الاقتصاد وأسواق المعادن الثمينة أن مواجهة هذه الممارسات تتطلب رقابة فعالة، وتطوير منظومة الدمغ والتتبع، وإتاحة البيانات الرسمية، وتوعية المواطنين بحقوقهم ووسائل التحقق من أصالة المنتجات.
قال أسامة زرعي، خبير أسواق المعادن الثمينة والمدير الإقليمى ورئيس قسم التحليل بجولدن إيرا ، إن الغش فى سوق الذهب يتخذ صورًا متعددة، تشمل بيع مشغولات غير مطابقة للعيار المعلن، وتقليد الجنيهات الذهبية باستخدام معادن أخري، والتلاعب فى الدمغات، وتزوير السبائك والفواتير، مؤكدًا أن مسؤولية التصدى لهذه المخالفات لا تقع على المستهلك وحده، وإنما تتطلب تعاون الجهات الرقابية والتجار والمصنعين.
أوضح أن التلاعب فى العيار الداخلى للمشغولات من أبرز صور الغش التى يصعب اكتشافها بالعين المجردة؛ إذ يفترض أن يحتوى الذهب عيار 21 على نسبة ذهب تبلغ 875 جزءًا من الألف، بينما قد تنخفض هذه النسبة فى بعض القطع المغشوشة إلى 810 أو 820 جزءًا من الألف، بما يمثل مخالفة للمواصفات المعلنة.
حذر من أساليب تزوير السبائك التى تعتمد على شراء سبيكة أصلية وفتح غلافها بطريقة احترافية، ثم استبدال محتواها بسبيكة من النحاس مطلية بالذهب وإعادة إغلاق العبوة التى تحمل علامات تجارية معروفة. وأشار إلى أن هذه الممارسات تجعل اكتشاف التلاعب صعبًا على غير المتخصصين، لافتًا إلى أن الفحص البصرى لا يمثل ضمانًا قاطعًا لأصالة المنتج، حتى إن كان الخبير المدرب قادرًا على رصد بعض علامات التزوير.
لفت زرعى إلى أن بعض المحتالين يستغلون تراجع الأسعار ورغبة المواطنين فى اقتناص فرص الشراء، من خلال تقديم عروض تقل بصورة غير منطقية عن الأسعار المتداولة، داعيًا إلى التعامل مع التجار والمنصات المعروفة التى تمتلك مقار فعلية وسمعة واضحة، وتصدر فواتير تتضمن بيانات دقيقة عن المشتريات.
موضحاً ربط صعوبة الحد من التلاعب بغياب منظومة متكاملة لتتبع السبائك منذ إنتاجها وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي. أشار إلى أن تسجيل رقم تسلسلى فريد لكل سبيكة داخل قاعدة بيانات موثوقة يتيح التحقق من مصدرها ومواصفاتها، وكشف محاولات تكرار الرقم أو استخدامه على منتجات أخري، محذرًا فى الوقت نفسه من إمكانية تزوير الأرقام التسلسلية إذا لم تكن مرتبطة بنظام إلكترونى موثوق.
عن التداعيات الاقتصادية، أشار إلى أن وقائع تزوير السبائك، ومن بينها ضبط عصابة متهمة بالتلاعب فى نحو 10 آلاف سبيكة، دفعت بعض المواطنين إلى مزيد من الحذر والترقب، بما قد ينعكس على القوة الشرائية وحركة التداول. وأضاف أن تراجع المبيعات والإنتاج يؤثر فى حجم الأعمال والكميات المعروضة على جهات الدمغ والموازين، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على الموارد المرتبطة بهذه الأنشطة وفرص العمل.
أكد سعيد إمبابي، خبير أسواق المعادن الثمينة والرئيس التنفيذى لمنصة «آى صاغة»، أن المستهلك لا يستطيع اكتشاف جميع صور الغش بمفرده، حتى مع اتباع الإجراءات الاحترازية، مشددًا على ضرورة تعزيز الرقابة وتوعية المواطنين بحقوقهم ووسائل التحقق من قيمة مشترياتهم.
أوضح أن المخالفات تشمل التلاعب فى العيار والوزن، وتقليد الدمغات والأختام الرسمية، وتزوير الفواتير، والتلاعب فى احتساب قيمة المشغولات ومصدرها. وأشار إلى أن وجود الدمغة وحده لا يكفى لضمان سلامة القطعة ما لم تكن مطابقة للمواصفات المعتمدة.
أضاف أن بعض المصانع لا تعرض كامل إنتاجها على مصلحة دمغ المصوغات والموازين للفحص والدمغ، بينما تتداول كميات أخرى دون استيفاء الإجراءات الرسمية. كما أتاحت وسائل التقليد المتطورة اقتطاع أختام من قطع ذهبية أصلية وإلصاقها بمشغولات مغشوشة، أو محاكاة العلامات الرسمية بأدوات أخري، بما يصعب التفرقة بين المنتجات المطابقة وغير المطابقة.
لفت إلى أن مصلحة دمغ المصوغات والموازين كثفت حملات التفتيش على محال الذهب لضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، موضحًا أن المحال قد تتعرض للمساءلة عند ضبط منتجات مخالفة لديها، حتى إذا حصلت عليها من موردين آخرين، وهو ما يستلزم التحقق من مصادر البضاعة قبل طرحها للبيع.
حذر إمبابى من أن تداول المشغولات خارج منظومة الفحص والدمغ يضر بحقوق الدولة فى الرسوم المستحقة، ويخل بالمنافسة بين المصانع الملتزمة بالإجراءات القانونية والجهات التى تتحايل عليها. فبينما تتحمل المصانع الملتزمة تكاليف الإنتاج والدمغ والالتزامات المقررة، قد تطرح جهات أخرى منتجات بتكلفة أقل نتيجة التهرب من بعض الالتزامات، بما يضع المنتج الملتزم أمام منافسة غير عادلة.
أشار إلى أن المستهلك يظل الأكثر عرضة للخسارة نتيجة اختلاف العيار أو التلاعب فى الوزن، خاصة إذا لم يحصل على فاتورة واضحة تتضمن وزن القطعة وعيارها ومواصفاتها. وشدد على ضرورة مطابقة الوزن الفعلى للبيانات المدونة فى الفاتورة، لأن الفروق الصغيرة قد تتحول إلى خسائر مالية ملموسة عند ارتفاع أسعار الذهب.
فيما يتعلق بالخصومات التى يطبقها بعض التجار عند إعادة شراء المشغولات الذهبية، دعا إمبابى إلى التمييز بين الرسوم المستحقة قانونًا والخصومات التجارية، مؤكدًا ضرورة توضيح أسباب أى فارق بين القيمة المحسوبة للقطعة وفقًا لوزنها وعيارها وسعر الذهب وقت البيع، والمبلغ المعروض لشرائها.
أوضح أنه إذا بلغت القيمة المحسوبة للقطعة 6آلاف جنيه، بينما عرض التاجر شراءها مقابل 5500 جنيه، فينبغى بيان أسباب الفارق، سواء ارتبطت بتغير سعر الجرام أو اختلاف الوزن أو العيار أو شروط إعادة الشراء. وشدد، وفقًا لتصريحاته، على عدم قبول استقطاعات تحت مسمى الضريبة أو الدمغة عند إعادة البيع دون أساس واضح.
نصح المواطنين بمعرفة وزن القطعة أثناء الشراء، ومطابقته للبيانات الواردة فى الفاتورة، والاستعانة بالسعر المعلن للذهب لتقدير قيمة المعدن، مع مراعاة المصنعية والفروق التجارية المعلنة.
طالب إمبابى بإتاحة بيانات دورية عن كميات المشغولات الذهبية التى تخضع للدمغ سنويًا فى مصر، إلى جانب نتائج حملات التفتيش والمضبوطات وطبيعة المخالفات المسجلة، معتبرًا أن نقص هذه المعلومات يصعّب تحديد الحجم الفعلى للسوق ورصد الفجوة بين الإنتاج الذى يمر بالإجراءات الرسمية والكميات المتداولة خارج المنظومة.
أوضح أن بيانات المضبوطات تكشف جانبًا من المخالفات المكتشفة، لكنها لا تكفى وحدها لتحديد حجم الإنتاج المتداول دون استيفاء إجراءات الدمغ. ومن شأن توفير بيانات شاملة أن يساعد على تحديد مواطن الخلل، وقياس مدى الالتزام بالمواصفات والرسوم المستحقة، وتوجيه الجهود الرقابية إلى الأنشطة الأكثر عرضة للمخالفات.
أكد الدكتور محمد علاء الدين، الخبير الاقتصادى، أن الممارسات غير المنضبطة وجرائم النصب والاحتيال فى سوق الذهب تمثل تهديدًا مباشرًا لمدخرات المواطنين والثقة فى السوق، خاصة أن الأسر المصرية تعتمد على المعدن الأصفر للتحوط ضد التضخم وتقلبات القوة الشرائية للعملة.
أوضح أن اكتشاف المشغولات المغشوشة عند إعادة البيع قد يؤدى إلى فقدان جزء من قيمة المدخرات، كما يدفع المستهلكين إلى مزيد من الحذر فى قرارات الشراء والبيع، بما قد ينعكس على حركة التداول والسيولة داخل القطاع. وتمتد الأضرار كذلك إلى التجار والمصنعين الملتزمين، نتيجة المنافسة غير العادلة، فضلًا عن تأثر موارد الدولة جراء التهرب من الرسوم والضرائب المستحقة.
شدد على أهمية شراء الذهب من المنافذ المعتمدة والموثوقة، والحصول على فاتورة تفصيلية ومميكنة تتضمن وزن القطعة وعيارها وسعرها وبيانات البائع، مع التحقق من علامات الدمغ والأمان وعدم الاعتماد على المظهر الخارجى وحده للحكم على أصالة المنتج.
فى حال اكتشاف الغش بعد الشراء، نصح بتوثيق الواقعة والاحتفاظ بالقطعة والفاتورة والمستندات ذات الصلة، ثم التقدم بشكوى إلى الجهات المختصة، ومنها مباحث التموين ومصلحة دمغ المصوغات والموازين وجهاز حماية المستهلك، لاتخاذ الإجراءات القانونية وفقًا لطبيعة المخالفة.
أكد أن حصر الضبطيات الرسمية وتحليل طبيعة المخالفات وتطوير قواعد بيانات شاملة من شأنها المساعدة على تقدير حجم الغش وتحديد بؤره، بما يدعم توجيه الجهود الرقابية والأمنية استنادًا إلى معلومات دقيقة.
أوضح علاء الدين أن تداعيات الغش تمتد إلى القدرة التنافسية للصناعة الوطنية والمشغولات المصرية فى الأسواق الإقليمية والعالمية، التى تتطلب الالتزام بالمواصفات القياسية وإمكانية التحقق من العيار والأصالة والمنشأ.









