فى لحظة تعصف فيها الاضطرابات بالاقتصاد العالمى وتتشابك أزمات الطاقة وسلاسل الإنتاج، اختتم الرئيس عبدالفتاح السيسى جولة آسيوية استمرت أسبوعا، شملت جمهورية كوريا وماليزيا وإندونيسيا. الجولة كانت بمثابة رسالة سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن مصر باتت قاعدة لا غنى عنها فى أى معادلة تمتد من شرق آسيا إلى المتوسط وإفريقيا.
أولى الدلالات تتعلق بالتقدير الذى حظيت به مصر. فقد استُقبل الرئيس فى العواصم الثلاث بمراسم تليق برؤساء الدول الكبري؛ من مرافقة الطائرات المقاتلة وحرس الشرف إلى مدافع التحية واحتفالات القصور الرئاسية. وفى كوالالمبور استقبله رئيس الوزراء أنور إبراهيم بنفسه فى المطار، ثم التقى الملك السلطان إبراهيم فى القصر الوطنى. وفى جاكرتا حياه الرئيس برابوو سوبيانتو فى قصر الاستقلال فى مشهد عكس مكانة مصر لدى أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان. وقد وجه الرئيس، عقب عودته، التحية للشعب المصرى تقديرا للمكانة التى لمسها لبلاده وشعبها خلال الزيارة، مشيرا إلى أن ما حظيت به مصر يعكس مكانتها الحضارية والسياسية.
أما الدلالة الثانية فتخص احترام السياسة الخارجية المصرية. فالدول التى زارها الرئيس، كما أكد تبدى احتراما للمسار السياسى المصرى ونهج القاهرة فى إدارة سياستها الخارجية، ويمثل ضبط النفس والتحكم فى ردود الفعل عاملين مهمين فى تعزيز هذا الاحترام. ويتجلى ذلك فى تطابق المواقف. ففى سيول وكوالالمبور جدد الرئيس موقف مصر الثابت من القضية الفلسطينية، ورفضها أى مخططات لتهجير الفلسطينيين، وتمسكها بحل الدولتين، وبأن أمن البحر الأحمر مسئولية الدول المشاطئة له. وأشاد رئيس الوزراء الماليزى بمواقف مصر تجاه الفلسطينيين، وقال إن بلاده تفخر بها.
الدلالة الثالثة هى الثقة فى الاقتصاد المصرى واستقراره. فقد أكد الرئيس أن الاستقرار السياسى الذى تتمتع به البلاد، رغم التحديات الاقتصادية، يحظى بتقدير دولى، وأن استعداد الدول الثلاث للتعاون والاستثمار المشترك يعكس ثقتها فى فرص واعدة يتيحها الاقتصاد المصرى. والأرقام تؤيد ذلك، إذ جرى توقيع 20 اتفاقية خلال الجولة، منها 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع كوريا الجنوبية شملت التجارة والاستثمار والبنية التحتية والصناعة وسلاسل الإمداد، إلى جانب إطلاق مفاوضات رسمية لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، واعتماد بيان مشترك يرسخ شراكة استراتيجية، وعقد أول حوار استراتيجى بين البلدين. ووصفت سيول مصر بأنها مركز لوجستى دولى يربط أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
وفى ماليزيا، التى بلغ التبادل التجارى معها نحو 718 مليون دولار العام الماضى، أُطلق مشروع لتجميع سيارات بروتون فى مصر يستهدف جعلها مركزا إقليميا للشركة فى شمال إفريقيا. وفى إندونيسيا، التى بلغ التبادل التجارى معها نحو 2.38 مليار دولار، أعلن الرئيس هدف رفعه إلى خمسة مليارات دولار بحلول 2030، مع توقيع مذكرات فى التجارة والزراعة والصناعة والسياحة.
المغزى أن التصنيع داخل مصر لم يعد موجها إلى السوق المحلية وحدها، بل صار منصة تصدير نحو إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بما يخدم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتشمل المجالات المطروحة البتروكيماويات والزراعة وصناعة السيارات وصيد الأسماك والطاقة المتجددة والنووية.
ويبقى التحدى فى سرعة التنفيذ، وهو ما شدد عليه الرئيس معربا عن تطلعه إلى ترجمة ما جرى الاتفاق عليه إلى واقع. وبين سيول وكوالالمبور وجاكرتا، تتجه أنظار القاهرة شرقا بثقة وأدوات محددة، فيما يحضر الشرق الآسيوى بقوة فى معادلة المستقبل المصرى.









