عاد الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى أرض الوطن بعد جولة آسيوية ناجحة استمرت 6 أيام شملت ثلاث دول آسيوية مؤثرة هى جمهورية كوريا ومملكة ماليزيا وجمهورية إندونيسيا، ليعلن من مطار القاهرة فى كلمة له أن الجولة أسفرت عن توقيع «20 اتفاقية» وبرزت فيها إرادة قوية من هذه الدول لتعزيز التعاون مع مصر.
كلمة الرئيس لم تكن بروتوكولية، بل كانت وثيقة أمن قومى بامتياز. وما قاله سيادته يضعنا أمام 4 رسائل إستراتيجية كبرى:
أولًا: رسالة التوقيت
فالجولة جاءت فى توقيت بالغ الحساسية.. لأن العالم يشهد حرباً تجارية تكنولوجية، وإعادة تموضع لسلاسل الإمداد. واختيار كوريا كمحطة أولى، ثم ماليزيا وإندونيسيا كأكبر دولتين إسلاميتين فى آسيا، يعكس عقيدة السياسة الخارجية المصرية فى تنويع الشراكات وعدم حصر العلاقات فى اتجاه واحد
ومن منظور الأمن القومي، هذا هو مفهوم «الاستقلال الإستراتيجى».. فمصر لا تنتقل من معسكر إلى معسكر، بل تبنى شبكة أمان متعددة الأقطاب تحمى قرارها الوطنى من الابتزاز.
ثانيًا: رسالة الاقتصاد هو صلب الأمن القومى
فالرئيس حدد القطاعات التى تم الحدث عنها وهى : بتروكيماويات، زراعة، صناعة سيارات، صيد أسماك، إحصاء، وطاقة. هذه ليست اتفاقيات تجارية فقط.
– مع «كوريا»: تم إعلان شراكة إستراتيجية وعقد مائدة مستديرة مع كبرى الشركات الكورية. كوريا هى مصنع أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والسفن فى العالم. نقل هذه التكنولوجيا إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يعنى توطين صناعات سيادية.
– مع «ماليزيا وإندونيسيا»: دولتان تتحكمان فى مضيق ملقا، شريان التجارة العالمية الموازى لقناة السويس، ولديهما خبرة هائلة فى زيت النخيل والأمن الغذائي. التعاون معهما هو تأمين مباشر للأمن الغذائى المصرى.
ثالثًا: رسالة القوة الناعمة ومكانة مصر
الرئيس قال نصا: «ما حظيت به مصر من تقدير يعكس مكانتها الحضارية والسياسية»، وأشار إلى أن هذه الدول تبدى احتراما للمسار السياسى المصرى وضبط النفس المصرى.
وعندما نتأمل مراسم الاستقبال سنجد حالة الترحيب الكبيرة : فى جاكرتا رافقت طائرة الرئيس «6 مقاتلات إندونيسية سوخوى وإف-16» عند الاقتراب، وفى كوالالمبور استقبال ملكى بـ21 طلقة مدفعية بحضور ملك ماليزيا السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم. وهذه ليست مجاملة، هذا اعتراف إقليمى بأن مصر ركيزة استقرار.
ومن زاوية الأمن القومى، فأن تقدير 1.7 مليار مسلم فى آسيا لمصر – كدولة أزهر واعتدال – هو عمق إستراتيجى لا يقدر بمال.
رابعًا: التوقيع – الأمن القومى الشامل
ما أعلنه الرئيس بعد العودة هو التطبيق العملى لنظرية «الأمن القومى الشامل» التى تتبناها الدولة المصرية منذ 2014: الأمن ليس دبابة وطائرة فقط، بل مصنع وغذاء وتكنولوجيا وشريك دولى يحترمك.
الخلاصة أن الجولة الآسيوية تقول بوضوح: أن مصر تتحرك شرقًا ليس بديلا عن الغرب، بل لتوسيع هامش المناورة الإستراتيجية، ولتحويل موقعها الجغرافى إلى قيمة اقتصادية وتكنولوجية مضافة، ولتأمين احتياجاتها من الغذاء والصناعة بعيدًا عن ضغوط أى طرف.
الرسالة الأخيرة فى كلمة الرئيس كانت للشعب المصرى نفسه حين وجه التحية له. وأن الاستقرار الداخلى الذى أشار إليه الرئيس رغم التحديات الاقتصادية هو الذى جعل هذه الدول تأتى للاستثمار فى مصر. وهذا هو الدرس الأهم: قوة مصر الخارجية تبدأ من تماسك جبهتها الداخلية.









