فوز «الفرنسى» و«اليابانى» بجائزة نوبل فى الكيمياء
هل يمكن أن يكون هناك فى حياتنا شيئان متطابقان تماماً، لهما الوزن نفسه والشكل نفسه، لكنهما معكوسان؟ أى كما لو كان أحدهما صورة للآخر فى المرآة،
طبعاً يوجد.. ويمكن تخيل ذلك بسهولة، فلكل منا يدان: اليد اليمنى واليد اليسري، متشابهتان، تماماً لكنهما معكوستان، وإذا وضعت إحداهما أمام المرآة فسوف ترى الأخرى تقريبًا. لكنك مهما حاولت فلن تستطيع أن تضع يدك اليمنى فوق اليسرى بحيث تنطبق كل تفاصيلهما على بعضهما؛ وكذا الجوانتى، والحذاء، فمثلاً فى حالة الحذاء لدينا فردة يمين وفردة شمال، والشراب «الجورب» نفس الشيء، أى لدينا فردة يمين وفردة شمال ولا يمكن للفرد منا أن يستعمل أحدهما مكان الآخر رغم انهما متطابقان، بل هما نفس الشيء تقريبًا.
هذه الفكرة البسيطة جدًا كانت وراء واحدة من أعقد مشكلات الكيمياء، وهى المشكلة التى حصل بسببها هذا العام عالمان على جائزة نوبل فى الكيمياء، هما الفرنسى كاجان واليابانى سواي، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بتأثيرات المكونات التى نستعملها، مثل الملح مثلاً حيث انهما اكتشفا ان لكل مركب نستعمله له صورتان احداهما يمين والأخرى شمال بالضبط مثل الحذاء أى يوجد فى صورتين، إحداهما صورة مرآة للأخري. ويسمى الكيميائيون هذه الخاصية «الكيرالى»، وهى كلمة مشتقة أصلاً من كلمة يونانية تعنى «اليد». ولذلك يمكننا أن نتصور الجزيء كما نتصور اليد: يمين ويسار. وكل ما نستعمله كذلك. ومع ذلك يتعامل جسم الإنسان مع الملح مثلاً لكن بطريقة مختلفة تمامًالكل صورة من صورتيه اليمين والشمال، رغم انهما الشيء نفسه!
قد يبدو هذا التصور للوهلة الأولى غريباً، لكننا نعيش هذه الحقيقة كل يوم من دون أن ننتبه إليها.
لكن لماذا يهتم العلماء بهذا الأمر إلى هذه الدرجة وما قيمة هذا الاهتمام؟
الإجابة ببساطة أن جسم الإنسان مليء بالبروتينات والإنزيمات وغيرها من المركبات الكيميائية التى نأخذها فى غذائنا، وكلها لها أشكال ثنائية: يمين وشمال. وعندما يدخل إليها جزيء دواء مثل مضاد حيوى أو هرمون مثلاً، فإنه لا يتعامل معه باعتباره مجرد مجموعة من الذرات، وإنما يبحث عن الشكل الذى يناسبه، مثلما يناسب المفتاح قفلاً معينًا. ومن هنا يمكن أن يحدث الشيء المدهش: الصورة الشمال للجزيء قد لا تعمل بالطريقة نفسها التى يعمل بها الجزيء فى صورته اليمنى رغم انهما الشيء نفسه. وهنا يبدأ اهتمام الطب والكيمياء بالأمر. فإذا كان لدينا دواء يمكن أن يوجد فى صورتين يمين وشمال رغم انهما الدواء نفسه، وان الجسم لا يستفيد أو يستجيب إلا لصورة واحدة فقط، فإن الكيميائى وبعده الطبيب لا يريد بالضرورة أن يقوم المصنع بصنع كمية من الصورتين معًا ثم يحاول أن يفصل إحداهما عن الأخري. الأفضل والأدق أن يستطيع من البداية توجيه التفاعل الكيميائى إلى إنتاج الصورة التى يحتاج إليها.وهذا هو جوهر ما يسمى التخليق غير المتماثل.
لتبسيط الأمر أكثر، نرجع لأحد الأمثلة السابقة، تخيل مصنعًا يستطيع أن يصنع قفازات، لكن نصف إنتاجه قفازات لليد اليمنى والنصف الآخر لليد اليسري، بينما أنت تحتاج إلى قفازات لليد اليمنى فقط. سيكون من الأفضل كثيرًا لو استطعت تعديل المصنع بحيث ينتج النوع المطلوب بكفاءة عالية بدلا من أن تصنع الاثنين معاً ثم تبدأ فى فرزهما، ثم استبعاد قفازات اليد اليسرى مما يعنى فقدا اقتصادياً كبيراً.
هذا تقريبًا ما يحاول الكيميائيون ومعهم الأطباء فعله مع جزيئات أى دواء.
وقد أصبحت المسألة أكثر أهمية عندما دخلت الكيمياء بقوة إلى صناعة الأدوية. فاختيار الصورة الفراغية الصحيحة للجزيء سواء يمين أو شمال، قد يكون عنصرًا مهمًا فى تصميم الدواء وتصنيعه، لأن هذا الترتيب يؤثر فى الطريقة التى يتفاعل بها الدواء مع الأهداف العلاجية له داخل الجسم.
لكن قصة جائزة نوبل هذا العام أعمق من مجرد صناعة دواء أفضل.
فالعلماء كانوا أمام سؤال محير آخر: إذا كانت الطبيعة تستطيع أن تجعل الحياة تختار صورة واحدة من صورتين إحداهما صورة مرآة للآخر، فكيف يحدث ذلك أصلاً؟ فوحدات مكونات البروتينات، يمكن أن توجد فى صورتين يمين وشمال رغم انهما الشيء نفسه تماماً كما لو كانت واحدة منهما صورة مرآة للأخري. ومع ذلك، فإن الحياة كما نعرفها لا تستخدم الصورتين بالتساوي؛ بل تنحاز إلى صورة واحدة من هذه الجزيئات. وهذا أمر شديد الغرابة.
فلو صنعت تفاعلاً كيميائيًا عاديًا يمكنه إنتاج صورتين للمادة نفسها، فإنك تتوقع فى الظروف المناسبة أن تحصل على الصورتين معًا. لكن الحياة اختارت لنفسها صورة واحدة.. أما لماذا وكيف؟.. هنا يأتى دور العالمين الفرنسى كاغان وزميله اليابانى كينسو «بدآ ذلك منذ عام1986» اللذان اكتشفا انه ممكن انتاج صورة واحدة من الدواء وليس الصورتين، أى الصورة التى يفضلها جسم الإنسان ويستجيب لها وذلك عن طريق ما أسموه بالتحفيز الذاتي، وينم ذلك عن طريق إدخال الصورة التى نريدها إلى داخل التفاعل فيقوم ذلك بتوجيه الإنتاج كله إلى هذه الصورة المطلوبة وهى التى سيستفيد منها جسم الإنسان. ولتقريب ذلك أكثر فقد اكتشف العالمان أنه لو لدينا ماكينة إنتاج الجوارب مثلاً، لو وضعنا فيها فردة شمال فستقوم ذاتيا بإنتاج شربات شمال كلها، أما إذا وضعنا فيها فردة يمين فستقوم بتصنيع شرابات فردة يمين كلها.
وهنا حدث شيء أكثر غرابة.
إذا كانت البداية تحتوى على انحياز صغير جدًا لصورة واحدة من احدى صور الدواء، فإن هذا الانحياز يمكن أن يتضخم، ويصبح الناتج أكثر ميلاً إلى الصورة نفسها. وهو إنجاز اعتبرته الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل نقطة مهمة فى فهم كثير من الظواهر الكيميائية. وهنا تصبح جائزة نوبل أكثر من مجرد جائزة للكيمياء، لانها اجابت عن سؤال يؤرق علماء الكيمياء هو: كيف اختارت الحياة «يدًا» واحدة؟ ولا زلنا لا نملك حتى الآن إجابة نهائية عن كل تفاصيل هذه القصة، لكن أعمال كاغان وسواى كانت خطوة على الطريق وهو الطريق الذى تلتقى فيه الكيمياء بالطب. وأسرار صناعة الدواء.
فالدواء الذى يدخل جسم الإنسان لا يعيش فى فراغ؛ إنه يدخل عالمًا معقدًا، مليئًا بالمستقبلات والإنزيمات والبروتينات، وكل منها له شكل محدد.ولذلك فإن معرفة منتج اى دواء بكيفية الحصول على الصورة الجزيئية المطلوبة «يمين او شمال رغم انهما الشيءنفسه» ليست ترفًا علميًا، وإنما قد تكون ذات أهمية مباشرة فى تصميم وتصنيع العقاقير.
هنا أظن أن القارئ يستطيع أن يرى الصورة كاملة.
بدأنا من شيء نراه كل يوم: يد يمنى ويد يسري.ثم اكتشفنا أن الجزيئات يمكن أن تفعل الشيء نفسه.ثم عرفنا أن جسم الإنسان يستطيع أن يميز بين الصورتين، لأن الجسم نفسه مبنى من جزيئات مهيأة لشكل واحد منهما ولا يصلح الشكل الاخر رغم انهما نفسه،ثم حاول الكيميائيون أن يجعلوا التفاعل يصنع الصورة التى يريدونها بدل أن يترك الأمر للصدفة.
هنا ربما تكمن واحدة من أجمل مفارقات العلم.فشيء يبدو لنا صغيرًا إلى حد لا يمكن رؤيته بالعين، قد يكون قادرًا على تغيير النتيجة كلها.وقد يكون فرقًا صغيرًا بين جزيئين، لا نستطيع تمييزه إلا بالمعامل والأجهزة، هو الذى يحدد كيف سيتعامل جسم الإنسان مع مادة دوائية.
لذلك فإن جائزة نوبل فى الكيمياء هذا العام لا تتحدث فقط عن مركبات كيميائية معقدة، ولا عن معادلات لا يفهمها إلا المتخصصون.إنها، فى جانب منها، تتحدث عن الاختلاف الهائل الذى يمكن أن يصنعه تفصيل صغير جدًا.
الأجمل أن هذه القصة تعيدنا مرة أخرى إلى الحياة. فالكيمياء داخل أجسامنا ليست مجموعة تفاعلات عشوائية، وإنما نظام بالغ الدقة، تتحرك فيه الجزيئات كما لو كانت تعرف أين تذهب ومع من تتفاعل. وكلما تقدم العلم، اكتشفنا أن ما كنا نعتبره تفاصيل صغيرة قد يكون هو مفتاح الحكاية كلها.
لقد عرفنا منذ زمن طويل أن اليد اليمنى ليست اليد اليسري، لكن جائزة نوبل هذا العام تذكرنا بأن الجزيء أيضًا قد يكون له يمين ويسار. وأن الكيميائى الحديث لا يريد فقط أن يصنع الجزيء.. بل يريد أن يعلّمه أى يد يستخدم.









