كيف نصبح أغنياء فى نصف قرن؟
عندما يسألنى سائل ماذا تعنى بأن تكون مصر دولة متقدمة ؟ أجيب بسرعة ودون تفكير وباختصار بقولى « أن تصبح مصر دولة مثل اليابان أو كوريا أو حتى فيتنام» ! عدد سكان مصر يقترب من مائة وعشرة ملايين نسمة ناتجهم الإجمالى أقل من 400 مليار دولار بكثير ونصيب الفرد من هذا الناتج لا يزيد على 3 آلاف دولار وتبلغ صادراتنا ما يقترب من 50 مليار دولار فقط! أما كوريا فعدد سكانها يزيد قليلا على 50 مليون نسمة ناتجهم الإجمالى 1800 مليار دولار! ويصدرون بأكثر من 700 مليار دولار ونصيب الفرد يزيد على خمسة وثلاثين ألف دولار، فكيف تعبر دولة المسافة بين الفقر والغنى فى نحو خمسين عامًا؟ وكيف يخرج شعب من تحت أنقاض الحرب ليحجز لنفسه مكانًا بين كبار المنتجين والمصدّرين؟ حين نتأمل التجربة الكورية، نجد أنفسنا أمام سؤال يستحق أن يشغلنا: ماذا فعل هؤلاء حتى تحولت بلادهم من دولة تنتظر المساعدة إلى دولة تقدمها للآخرين؟
خرجت كوريا الجنوبية من حرب امتدت بين عامى 1950 و1953، وقد تهدمت مدنها وتضررت بنيتها الأساسية، واستنزفت الحرب البشر والموارد. لم تكن نقطة البداية مريحة، ولم تكن البلاد تجلس فوق بحر من النفط تنتظر استخراج ثروته. كانت أمام مجتمع فقير، واقتصاد ضعيف، ودولة تحتاج إلى إعادة بناء، فى ظل انقسام جغرافى وسياسى وعسكرى ظل يرافق رحلتها.
ولكى ندرك حجم المسافة، يكفى أن نعرف أن نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى بلغ نحو 158 دولارًا عام 1960، ثم تجاوز 31 ألف دولار عام 2020 وصولا إلى مادييرا كما أوضحت الأم عن 360 ألف دولار الجاري. وهى مقارنة لا تقيس وحدها تحسن المعيشة بسبب تغير الأسعار، لكنها تكشف حجم التحول، وتؤكدها حقيقة أن الاقتصاد الكورى أصبح عام 1996 أكبر بنحو خمسة وعشرين ضعف حجمه الحقيقى عام 1960 نحن إذن أمام رحلة صعود امتدت عقودًا، كان نصف القرن قلبها الحاسم بدأت الحكاية بقرار واضح: الصناعة طريق الخروج من الفقر، والتصدير امتحان نجاحها. فمنذ الستينيات، تبنت الدولة خططًا للتنمية، ووجهت التمويل والاستثمار إلى بناء القدرة الإنتاجية، ثم انتقلت من التركيز على إحلال الواردات إلى تشجيع الصادرات. كان المطلوب أن تدخل السلعة الكورية الأسواق، وتنافس، وتحقق عائدًا يسمح بالتوسع والتطوير. فالمنتج الذى يرضى عنه المسؤول داخل بلاده لا يصبح ناجحًا إلا حين يختاره المستهلك خارجها لم تقفز كوريا إلى الصناعات المتقدمة دفعة واحدة. بدأت بصناعات أبسط، ثم صعدت إلى الصلب والسفن والسيارات، وصولًا إلى الإلكترونيات والتكنولوجيا. كل مرحلة بنت فوق ما سبقها، وأضافت معرفة وخبرة وقدرة جديدة. وهذا فى تقديرى أحد أهم أسرار التجربة: أن يكون للدولة سلم تصعد عليه، وأن تعرف موقعها على درجاته، فلا تحتقر البداية الصغيرة، ولا تتوهم أن إعلان الطموح يساوى تحقيقه.
وكان التعليم حاضرًا فى قلب المشروع. احتاج المصنع إلى عامل مؤهل، واحتاجت الصناعة إلى مهندس، واحتاج التطوير إلى باحث؛ فتوسعت كوريا فى التعليم وتنمية المهارات، ثم البحث والتطوير. التعليم هنا مسؤول عن قدرة الإنسان على أداء عمله وإضافة قيمة إليه. وما جدوى آلاف الشهادات إذا ظلت المصانع تبحث عن مهارة لا تجدها، وظل الخريجون يبحثون عن وظائف لا يملكون أدواتها؟
ومن الإنصاف ألا نحول التجربة إلى حكاية عن الإرادة وحدها. استفادت كوريا من المساعدات والتمويل الخارجي، ومن فرص التجارة ونقل المعرفة. لكن الدرس الذى أراه هو أن الموارد القادمة من الخارج تصبح أكثر نفعًا حين تدخل فى مشروع لبناء القدرة الذاتية؛ طريق يخدم الإنتاج، ومدرسة ترفع الكفاءة، ومصنع يتعلم ثم يطور. فالمساعدة تستطيع أن تسند البداية، أما استمرار الرحلة فيحتاج إلى مؤسسات تعرف ماذا تريد.
ولم يكن الطريق مفروشًا بالورود. كشف النموذج عن اختلالات، خاصة فى ديون الشركات وعلاقاتها بالبنوك، ثم جاءت الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 لتضرب الاقتصاد بعنف. اضطرت كوريا إلى طلب مساعدة طارئة، ودفعت ثمنًا اجتماعيًا مؤلمًا، لكنها أعادت هيكلة الشركات وطورت قواعد إدارتها. كان الاعتراف بالخلل وإصلاحه جزءًا من القدرة على مواصلة الصعود.
وحين ننظر إلى التجربة بعيون مصرية يجب أن نسأل عن المبادئ التى يمكن أن نستفيد منها: تعليم يخدم التنمية، وصناعة تقاس بقدرتها على المنافسة، وتمويل يذهب إلى الإنتاج، ومؤسسات تراجع النتائج وتصحح الأخطاء. لكل دولة ظروفها، لكن الجدية فى التنفيذ تصلح لكل الظروف.
فى عام 2010، انضمت كوريا إلى لجنة المساعدة الإنمائية بمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية؛ لتكتمل دلالة انتقالها من تلقى العون إلى المشاركة فى تقديمه. وهنا تستحق التجربة التأمل: شعب غيّر موقعه فى العالم حين راكم المعرفة والعمل والإنتاج. فهل نقرأ رحلته باعتبارها قصة تثير الإعجاب، أم باعتبارها تجربة تفتح أمامنا بابًا للعمل؟









