طرح الدكتور محمد عثمان الخشت، عضو المجلس العلمي الأعلى بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية ورئيس جامعة القاهرة السابق، تصورًا فلسفيًا وسياسيًا بعنوان «دولة المشترك والمختلف الإنساني»، باعتباره طريقًا ثالثًا يتجاوز الصيغ الإقصائية في الأصولية السياسية والعلمانية الصلبة، ويؤسس الدولة على العدل والمساواة في الحقوق، مع حماية الاختلاف الديني والفلسفي والثقافي.
جاء ذلك خلال مشاركته في المؤتمر الدولي الأول لدراسات الأديان، بعنوان «الدين والمشترك الإنساني: مقاربات معاصرة في اللاهوت والدراسات الدينية»، الذي نظمته جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بالتعاون مع جامعتي بادوفا وبيمونتي الشرقية في إيطاليا.
وتُعد جامعة بادوفا، التي تأسست عام 1222، واحدة من أقدم الجامعات الأوروبية، وارتبط تاريخها بأسماء بارزة في مجالات العلم والفكر، من بينها جاليليو جاليلي.
وأُقيم المؤتمر بدعم الدكتور عمر حبتور الدرعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة ورئيس مجلس أمناء جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، وإشراف الدكتور خليفة مبارك الظاهري، مدير الجامعة، والدكتورة دانييلا مابيلي، رئيسة جامعة بادوفا، بمشاركة أكاديميين وباحثين من أوروبا والعالم العربي وأمريكا الشمالية، من أبرزهم الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية.
وقدم الدكتور محمد الخشت، خلال الجلسة العلمية الأولى «الفلسفة ونظرية المعرفة في دراسة الأديان»، ورقة بحثية بعنوان «ما بعد العلمانية والأصولية: نحو دولة للمشترك والمختلف الإنساني»، انطلق فيها من التمييز بين «سؤال العقيدة»، المتعلق بما يعتقده الإنسان حقًا ويبني عليه رؤيته للحياة، و«سؤال العدل»، المرتبط بكيفية تنظيم العيش المشترك بين المختلفين دون ظلم أو قهر أو تمييز.
وأكد الخشت أن اختلاف المواطنين في العقائد والأيديولوجيات لا يمنع اتفاقهم على حقوق متساوية، مشددًا على أن وظيفة الدولة تتمثل في إقامة العدل وحماية الحقوق، بما يضمن لكل إنسان أن يكون مواطنًا كامل الحقوق، دون أن يُطلب منه التخلي عن معتقده أو يُسمح له بفرضه على الآخرين.
وانتقد الخشت الأصولية السياسية عندما تجعل تفسيرًا بشريًا للدين أساسًا للشرعية، موضحًا أن الإشكال في مفهوم «الحاكمية» يظهر حين يتحول الاجتهاد البشري المحدود إلى تعبير حصري عن حكم الله، بما يضيّق مساحة الاختلاف ويجعل الاعتراض السياسي بمثابة اعتراض على المقدس.
وأكد أن موضع النقد ليس الدين، وإنما «تأليه الاختيار البشري حين يتكلم باسم الدين»، مشددًا على أنه لا أحد يملك احتكار الحديث باسم الله، وأن الاجتهاد البشري لا يكتسب القداسة لمجرد نسبته إلى الدين.
وأشار إلى موقف الشيخ علي عبد الرازق، الذي رأى أن الخلافة ليست نظامًا دينيًا منصوصًا عليه، بل من شؤون السياسة التي تُرد إلى العقل وتجارب الأمم، مؤكدًا ضرورة التمييز بين الدين في ذاته والاجتهادات البشرية في فهمه.
كما انتقد الخشت «العلمانية الصلبة» عندما تتجاوز الفصل المؤسسي بين الدين والسياسة إلى إقصاء الدين من المجال العام وفرض تصور فلسفي واحد للحياة. وأوضح أنه لا يساوي بين الأصولية والعلمانية من حيث التاريخ أو المعتقدات، لكن صورهما الإقصائية قد تلتقي عند الخلط بين سؤال العدل وسؤال العقيدة، ونزع الشرعية عن المختلف.
وأوضح أن مفهوم «ما بعد الأصولية والعلمانية» لا يعني انتهاء الظاهرتين أو التوفيق بينهما، وإنما تجاوز منطق الاحتكار لدى كل منهما، وصولًا إلى دولة تستوعب المشترك الإنساني وتحمي الاختلاف.
واقترح الخشت الانتقال من مجرد التسامح إلى «التعارف»، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، موضحًا أن التسامح يقبل وجود المختلف، والاعتراف يقر بمساواته، بينما يضيف التعارف احترامه والسعي إلى فهمه من داخل عالمه ومرجعيته.
كما ميّز بين الأخلاق المشتركة التي تحمي العدل والحقوق، والتصورات الأخلاقية الخاصة المرتبطة بفرقة أو طائفة، مؤكدًا أن التصورات الخاصة لا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى التزام قانوني عام.
وقدم الخشت تصور «دولة المشترك والمختلف الإنساني» من خلال ثلاثة مستويات:
- المشترك الملزم: حماية الحقوق الأساسية ومنع الظلم والتمييز.
- المختلف الجماعي المحمي: صون حق الجماعات الدينية في تقاليدها وشعائرها دون قهر أفرادها.
- المجال الفردي الحر: اعتبار الحرية هي الأصل، وعدم تقييدها إلا لدفع الضرر عن الغير أو تحقيق مصلحة عامة معتبرة.
وأشار إلى وجود جذور مبكرة لفكرة المشترك الإنساني في التراث الإسلامي، مستشهدًا بأبي الحسن العامري وما طرحه من مقاصد كبرى مشتركة بين الأديان، ثم تطور هذا البناء لدى الجويني والغزالي والعز بن عبد السلام والشاطبي وابن عاشور.
واستدل كذلك بدلالات قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وصحيفة المدينة بوصفها نموذجًا لتنظيم التعدد.
وأكد الخشت أن تطبيق هذه الفكرة يتطلب مؤسسات تحميها، تشمل دستورًا يقرر الحقوق دون أن يحسم الخلافات الدينية والفلسفية، وقانونًا عامًا يسري على الجميع، وقضاءً مستقلًا يحمي الحقوق ويراقب حدود السلطة.
واختتم بالتأكيد على أن «دولة المشترك والمختلف الإنساني» ليست دولة أصولية تفرض مرجعية بعينها، ولا دولة علمانية تجعل إقصاء الدين شرطًا للمواطنة، وإنما دولة «تجعل العدل أساس المشترك، والحرية ضمانًا للمختلف فيه».
وأضاف: «ليس المطلوب أن نصبح متشابهين في كل شيء لكي نعيش معًا في سلام.. ذلك هو الطريق الثالث».









