سأتكلم عن موضوع تحاذر الغالبية التطرق إليه، لكنني أغوص في تفاصيله دون محاذير كوني في موقع المساحة الوطنية فقط وكرست جل مقالاتي للحفاظ عليها بعيدًا عن مساحات الآخرين… وساحاتهم.
مباشرة أسأل: كيف سيكون حال الكويت والكويتيين لو استمرّ النهج السياسي الاجتماعي السابق خلال الحرب التي اشتعلت في المنطقة؟
لا أبالغ إن قلت إنه لولا عناية الله وحزم القيادة السياسية لضاعت الكويت التي نعرفها.
- ماذا كان يجري في الواقع؟
في فترة ما بعد التحرير، بدأ الخطاب العنصري والقبلي والطائفي والمذهبي يتقدم شيئًا فشيئًا على حساب الخطاب الوطني الجامع. تعاملت الحكومات مع الموضوع ليس من باب مخاطره على الأمن الوطني والوحدة المجتمعية، بل على قاعدة مسايرة التيارات المختلفة ومحاباتها، من دون إسقاط فرضية “فرق تسد”.
كان هناك قصر نظر، ولم يكن أحد يتوقع أن يرى الكويت شبيهة بالحالة التي شهدتها دول عربية وإسلامية ما قبل انفجار الأوضاع فيها. صار عندنا شيء اسمه المحاصصة في كل شيء، من تشكيل الحكومات إلى توزيع المناصب في مختلف القطاعات: مقعد للشيعة وآخر للقبيلة وثالث للحضر ورابع للإسلاميين وخامس لليبراليين… كان البحث يدور حول انتماء الوزير الاجتماعي والفكري لا حول كفاءته.
واقعيًا، كان الخطاب الانقسامي يتقدم سواء على المستوى الاجتماعي أو المذهبي. لماذا؟ الجواب بكل بساطة لأن فرقاء كثرًا وجدوا في سياسات الحكومات طريقًا سهلاً لتنفيذ أجنداتهم، فعندما تكون العنصرية أولاً أو القبلية أو المذهبية، وعندما تكون الحكومات متساهلة وأحيانًا متجاوبة، يصبح النائب أو الوزير مرجعًا لخدمة الناس وتعييناتهم الوظيفية وترقياتهم وتنقلاتهم ومزاياهم… حسب انتماءاتهم. هنا يجد الجمع أن طريق التعصب يحقق نجاحات. تتراجع الدولة ومؤسساتها وتترك الأمر لواقع يبدأ بتكريس خطاب عن “حقوق المكونات”، وينتهي بصدامات بين هذه المجموعات ضد بعضها من جهة وبينها وبين الدولة من جهة أخرى.
راجعوا معي، كم نائب فاز بالانتخابات من دون أي مشروع وطني بل فقط لأنه طرح نفسه حضريًا ضد البدو؟ وآخر اكتسح لأنه طرح نفسه قبليًا ضد الحضر؟ وثالث لأنه إسلامي ضد الليبراليين؟ تذكروا كم “حفلة” ردح وشتائم دارت في ندوات انتخابية ووصل الأمر إلى اعتداءات جسدية. وثِّقوا معي عدد الذين شعروا أن صفة الكويتي ضيقة عليهم فصار عندنا “أسد السنة” و”سيف الشيعة” و”أمراء” معلنين وغير معلنين لطوائف ومذاهب.
ويا ليت القضية وقفت عند هذا الحد فالخطاب إذا تفجر ينتشر عنقوديًا. استعيدوا معي لوائح انتخابات الطلاب في الجامعة. كانت بين تكتلات معروفة. صارت القصة قبائلية ومناطقية بل ارتفعت لافتات انتخابية في الجامعات بين مؤيدين ومعارضين داخل فرع القبيلة نفسها… هذه أمور موثقة بالصوت والصورة.
من راقب حملات التبرع في الكويت مثلاً للمعارضة السورية وقرأ على السيارات الكبيرة أسماء الجهات المتبرعة يظن أنها جزء من انتخابات فرعية داخلية في الدائرة الخامسة، ومن راقب حملات الدعم للنظام السوري السابق من قبل مجموعات كويتية أخرى يظن أن مصير بعض الكويتيين مرتبط بمصير نظام خارجي… ومن يتذكر التجمعات الشعبية في الكويت وما تخللها من خطابات العنف والكراهية والتهديد العلني بالذبح والتهديد المضاد بالرد يعرف تمامًا أن المقدمات تؤدي إلى هذه النتائج التي كادت أن تكون وخيمة لو تطورت الأمور.
لم أكن مذهبيًا وعنصريًا في حياتي ولن أكون… لا أعرف سوى أنني كويتي، ولذلك سامحوني مرة أخرى على صراحتي وإن كانت قاسية. كنا نعيش وسنبقى إخوة سنة وشيعة وحضرًا وبدوًا، كم مرة سمعنا وسمعتم كيف تغيرت التسمية في الكويت فصارت “نواصب وروافض وأصحاب دماء زرقاء ومناطق خارجية”؟ أليست هذه المنحدرات هي المقدمات التي أدت إلى تفجيرات وضحايا ومنها جريمة الصادق؟ ألم تقم جهات بتمجيد وتأبين مسؤولين عن قتل كويتيين وأعمال إرهابية في الكويت؟ لماذا نختبئ وراء أصابعنا أو ندفن رؤوسنا في الأرض كالنعام؟
ومن نكد الدهر أن التخلف لا حدود له، فعلى هامش هؤلاء الوحوش في الواقع ازدهر ذباب في الفضاء الافتراضي. لا ضمير ولا رقابة ولا ذمة ولا أخلاق ولا تربية. شتائم لأصحاب الرسول الكريم وزوجاته، وشتائم لآل البيت المكرمين. ومن لم يوفر المقدسات كيف سيوفر شقيقه في المواطنة. طعن في الأعراض. اتهامات بالذمم. تقيؤ طائفي ومذهبي… ومشاريع فتنة دائمة.
ليقل من يريد ما شاء أن يقول فكل إناء ينضح بما فيه. إذا كانت سياسة القضاء على هذه الانحرافات و”الجرائم” بحق الوحدة الوطنية حسنة هذا العهد (وهي بالتأكيد ليست الوحيدة) فيكفينا أنه حفظ الكويت وأهلها ومجتمعها بعد لطف الله سبحانه وتعالى. تذكروا كيف كانت الانقسامات تترجم عندنا في أي موضوع، من أفغانستان إلى إيران إلى العراق إلى سورية فلبنان فغزة، وتخيلوا كيف سيكون عليه الوضع لو استمرت تلك المرحلة إثر انفجار الحرب مع إيران؟… فقط تخيلوا.
مُنع التظاهر إلا بترخيص. مُنعت التجمعات والتصريحات التي تسيء للوحدة الوطنية. مُنع الخطاب المذهبي. مُنعت الإساءة للآخرين وعقائدهم. مُنع الخطاب القبلي والمناطقي. أي مغرد يسيء للوحدة الوطنية يحاسب. راقبوا كيف تراجع الخطاب الطائفي بنسبة تتجاوز التسعين في المئة وكيف انضبطت الغالبية والتزمت الموقف الرسمي من الحرب وأحداثها.
شكرًا بحجم السماء لقائد العهد… شكرًا مشعل الأحمد.









