هناك شيء مختلف فى أكتوبر هذا العام.. شيء لا تستطيع الكاميرات وحدها أن تنقله، ولا تكفى الكلمات لوصفه. إنها حالة وطنية أشعر بها فى وجوه المصريين، وفى حضور الشباب، وفى حجم الفعاليات والندوات واللقاءات التى تمتد من الجامعات إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية فى مختلف المحافظات، وكأن ذكرى نصر أكتوبر المجيد فى عامها الثالث والخمسين لا تعيدنا فقط إلى الماضي، وإنما تدفعنا إلى سؤال أهم: ماذا يعنى أن نحافظ على وطن انتصر من أجل بقائه آلاف الرجال؟
أكتوبر هذا العام يبدو أقرب إلى حالة شعبية واسعة من الفخر والانتماء والشعور بالمسئولية. شباب لم يعاصروا الحرب، ولم يروا لحظة العبور، ولم يسمعوا أصوات المدافع، لكنهم يبحثون عن الحكاية، ويسألون عن الأبطال، ويتابعون شهادات من عاشوا التجربة، ويكتشفون أن الوطن الذى يرونه اليوم هو حصيلة تضحيات أجيال كاملة. والمشهد أمام قبور رموز الدولة المصرية وشهدائها يحمل دلالة خاصة؛ حين يقف المصرى أمام قبر جمال عبد الناصر، وقبر أنور السادات، وقبر مبارك ويستحضر تاريخ مصر ورجالها، فإنه لا يستعيد أشخاصًا فقط، وإنما يستعيد مراحل صنعت ملامح الدولة المصرية الحديثة. وفى هذه المناسبة، يأتى أيضًا الحضور الرسمى للدولة وقيادتها، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى مشهد يؤكد قيمة الذاكرة الوطنية واحترام رموز الدولة وشهدائها.
وأكثر ما يبعث على الفخر أن الاحتفال بأكتوبر لم يعد مناسبة بروتوكولية تنتهى بانتهاء اليوم، وإنما تحول إلى حركة مجتمعية حقيقية: ندوات فى الجامعات، لقاءات فى المدارس، صالونات ثقافية، فعاليات فى مراكز الشباب، وحوارات تستضيف أبطالًا وخبراء ومؤرخين ومخلصين.
وهنا يأتى دور الإعلام باعتباره أحد أهم أسلحة القوة الناعمة المصرية. فالإعلام لا ينبغى أن يكتفى بإعادة صور العبور والأغانى الوطنية كل عام، وإنما عليه أن يفتح ملفات أكتوبر من جديد،
والأهم أن نربط أكتوبر بالحاضر؛ فكما كان الحفاظ على الوطن مسئولية جيل الحرب، فإن بناء الوطن وحمايته بالوعى والعمل والإنتاج والالتزام مسئولية جيل اليوم. من هنا أشعر أن الاحتفال الشعبى بأكتوبر هذا العام يحمل رسالة مهمة: المصريون ما زالوا يعرفون قيمة وطنهم، ويقدرون تضحيات من سبقوهم، ويدركون أن الدولة ليست مجرد مؤسسات، وإنما بيت كبير يحتاج إلى وعى أبنائه وتكاتفهم فى مواجهة التحديات.









