قبل أيام كنت فى زيارة إلى كلية الدراسات الأسيوية العليا بجامعة الزقازيق وهى المؤسسة الأكاديمية الرائدة التى دأبت على تقديم قراءات معمقة لربط مصر بمحيطها الآسيوى الشاسع، وشرفت بأن أهدانى الأستاذ الدكتور فتحى العفيفى وكيل الكلية والقامة الأكاديمية البارزة فى مجال التاريخ الحديث والمعاصر والدراسات الاستراتيجية والاجتماعية فى مصر والوطن العربي، أحدث نسخة من مؤلفه الأكاديمى والبحثى الأشهر»التقرير الاستراتيجى الأسيوي»، أول منتج أكاديمى دورى متكامل بالمنطقة العربية مخصص بالكامل لدراسة الشأن الآسيوى وتحولاته الجيوسياسية والتنموية، يستهدف رصد مسارات الصعود الاقتصادى فى الدول الآسيوية الكبرى وربطها بمتطلبات الأمن القومى والنهضة العربية والمصرية.
الدكتور فتحى العفيفى باحث رصين ووراؤه خلفية أكاديمية عميقة فى دراسة الأزمات الإقليمية، والجيوسياسية، ومسائل الحدود السياسية والأمن القومى وقد مكّنه ذلك من امتلاك أدوات بحثية فائقة لقراءة التحولات المعقدة والتوازنات الدقيقة فى القارة الآسيوية، والربط الدائم بينها وبين الأمن القومى العربى والمصري.
رغم كبر حجم التقرير الذى يقترب من الـ 500 صفحة، لكنه مشوق لدرجة أنك تستغرق فى القراءة من فصل إلى آخر وتجد نفسك أمام كم كبير من المعلومات يتم سردها وتبويبها باسلوب مشوف وربطها بقضايا دولية كبيرة كانت آسيا طرف فيها، ظلت آسيا لعقود تفتقر إلى نافذة تحليلية عربية مخصصة، ترصد تفاعلاتها بشكل دورى وممنهج ومن هنا جاء مشروعه نتاجاً لأكثر من ثلاث سنوات من البحث والدراسة المتعمقة ليتجاوز هذا النقص المعرفي، ولم يقتصر دور التقرير على كونه مجرد سرد للمعلومات، بل عُنى بإدارة التنوع المعرفى عبر الأبحاث المتقدمة، واضعاً فى اعتباره الشواغل الأمنية القومية وتأثير بؤر الاضطراب والحروب التى ضربت وتضرب أقاليم مختلفة من العالم.
يقدم التقرير الاستراتيجى الآسيوى رؤية ثلاثية الأبعاد؛ تشمل الأبعاد السياسية، الاقتصادية، والثقافية للقارة الآسيوية. ويستعرض دراسات تفصيلية حول عدة قضايا استراتيجية هامة، أبرزها على سبيل المثال قضية إصلاح مسارات التنمية وفيها عرض نماذج النهوض الهيكلى فى دول جنوب وجنوب شرق آسيا «مثل الهند، إندونيسيا، ماليزيا، وسنغافورة»، ومقاربتها مع مسيرة الإصلاح والتنمية الشاملة التى تتبناها الدولة المصرية، وقضية أمن الموارد الطبيعية والمعلومات وفيها ناقش إشكاليات أمن الطاقة والمياه، وتعظيم سبل الاستفادة من الموارد الطبيعية, إلى جانب دراسة أمن المعلومات والدور المحورى الذى يلعبه فى مكافحة الإرهاب الإلكترونى وفهم أزمات الخطاب السياسى للتنظيمات المتطرفة فى غرب آسيا.. كما تناول التقرير قضية التعددية والتعايش السلمى شارحا مفاهيم التعايش والتعددية الدينية والثقافية فى مجتمعات آسيوية متنوعة، ووثق دور بحوث الأديان فى تجديد الخطاب الدينى وبناء نماذج للسلام المجتمعي.. ولم يغفل التقرير الإعلام والدبلوماسية, فسلط الضوء على الدور المعقد للإعلام فى الحروب الخارجية من خلال دراسات تطبيقية وازنة تشمل قوى إقليمية كبرى كالصين واليابان.
تتجلى القيمة المضافة الكبرى للتقرير فى تسليطه الضوء على البعد الآسيوى داخل أروقة السياسة الخارجية المصرية,فبحسب مؤلفه فأن صياغة أى توجه استراتيجى مصرى أو عربى مستقبلى لا يمكن أن يغفل بناء شراكات راسخة مع القوى الآسيوية الصاعدة، لذلك يتيح التقرير لصناع القرار قراءة واعية لفرص التعاون الاقتصادي، التجاري، والتكنولوجي، فضلاً عن استشراف مستقبل العلاقات الدبلوماسية فى ظل الاستقطاب الدولى الراهن. يهدف التقرير بالأساس إلى بناء جسور حقيقية للتواصل الفكرى بين الشرق العربى والشرق الآسيوي، متجاوزاً الصور النمطية السطحية نحو فهم أعمق للجذور الثقافية والسياسية التى تحرك صناعة القرار فى بكين، دلهي، طوكيو، وجاكرتا.
فى رأيى أن التحول الدراماتيكى نحو الشرق الذى يشهده العالم المعاصر فى موازين القوى السياسية والاقتصادية، وهو ما يُعرف على نطاق واسع بالقرن الآسيوي، يزيد من أهمية التقرير، ففى ظل هذا التحول المتسارع وتنامى دور القارة الصفراء كمركز ثقل عالمي، برزت الحاجة الملحة فى المكتبة العربية لمرجع علمى شامل يحلل الشأن الآسيوى بأبعاد استراتيجية ورؤية عربية خالصة.
يمثل التقرير الاستراتيجى الآسيوى إضافة نوعية للمكتبة العربية، تبرهن على أن البحث الأكاديمى العربى قادر على مواكبة التحولات الكونية الكبرى وتقديم إجابات علمية رصينة لتحديات العصر، فقد سجل الدكتور العفيفى بهذا التقرير خطوة ريادية غير مسبوقة فى الفكر الاستراتيجى العربي، تعد بمثابة دعوة مفتوحة للباحثين والمخططين الاستراتيجيين لإعادة قراءة الخريطة العالمية من منظور شرقي، مما يساهم بشكل فعال فى حماية المصالح العليا وصياغة مستقبل أكثر توازناً للأمن القومى العربي.









