حاكمت المسئولين عن الإبادة الجماعية فى رواندا وميانمار.. وكشفت الانتهاكات الإسرائيلية فى غزة
فى مدينة ديربان بجنوب إفريقيا، حيث رسم نظام الفصل العنصرى حدودًا صارمة بين المواطنين على أساس العرق، بدأت حكاية نافانيثيم «نافى» بيلاى، التى تحولت من فتاة نشأت فى ظل التمييز إلى واحدة من أبرز الشخصيات القانونية المدافعة عن حقوق الإنسان، قبل أن تفوز بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديرًا لإسهاماتها فى تعزيز القانون الدولى ومحاسبة المسئولين عن الجرائم الأكثر خطورة.
من طفولة فرضت عليها واقع الفصل العنصري، إلى قاعات محاكم نظرت فى جرائم الإبادة الجماعية، رسمت بيلاى مسارًا جعل القانون أداة للدفاع عن كرامة الإنسان، ورسّخ حضورها بوصفها واحدة من أبرز الشخصيات التى ساهمت فى تطوير العدالة الدولية الحديثة.. ولعل أبرز ما تختصره رحلتها أن مواجهة الظلم لا تبدأ بالضرورة من مواقع السلطة، بل قد تبدأ من محامٍ يقرر الدفاع عن معتقل، أو من قاضٍ يصر على أن الجرائم، مهما بلغت فداحتها أو تعقدت خلفياتها السياسية، لا ينبغى أن تبقى بلا مساءلة.
كتب– محمد زكى
لم يكن طريق بيلاى إلى العدالة مفروشًا بالفرص المتكافئة؛ فقد نشأت فى مجتمع كانت فيه الأصول العرقية تحدد إلى حد كبير فرص التعليم والعمل والمشاركة العامة. لكن هذه البيئة لم تدفعها إلى الانكفاء، بل أسهمت فى تشكيل وعيها بقيمة الحقوق، وأهمية القانون فى مواجهة السلطة حين تتحول إلى أداة للتمييز والقمع.
وُلدت بيلاى فى 23 سبتمبر 1941 بمدينة ديربان، لعائلة من أصول هندية تاميلية، وعاشت طفولتها فى ظل نظام الفصل العنصرى الذى فرضته السلطات فى جنوب إفريقيا.. فى وقت كانت فيه الحواجز العرقية تعرقل مسارات قطاعات واسعة من السكان، اختارت دراسة القانون، لتبدأ رحلة مهنية امتدت من المحاكم المحلية إلى المؤسسات القضائية الدولية.
التحقت بيلاى بجامعة ناتال، حيث حصلت على درجة البكالوريوس فى الآداب عام 1963، ثم درست القانون وتخرجت عام 1965.. وبعد إنهاء دراستها، بدأت العمل فى المجال القانونى بمدينة ديربان، قبل أن تحقق عام 1967 خطوة غير مسبوقة، عندما أصبحت أول امرأة تفتتح مكتبًا للمحاماة فى إقليم ناتال، الذى يُعرف اليوم باسم كوازولو ناتال.
لم يكن الإنجاز مهنيًا فحسب؛ فقد جاء فى مجتمع اجتمع فيه التمييز العنصرى مع الحواجز المفروضة على النساء، ما جعل دخولها المهنة تحديًا مزدوجًا.. و لكنها سرعان ما اتخذت من الدفاع عن النشطاء المناهضين للفصل العنصرى والمعتقلين السياسيين محورًا لعملها.
خلال تلك المرحلة، واجهت بيلاى قضايا كشفت عن الانتهاكات التى تعرض لها المعارضون، بما فى ذلك التعذيب والعزل الانفرادي.. وفى عام 1973، نجحت فى الدفاع عن حق السجناء السياسيين فى الاستعانة بمحامين، فى خطوة عززت الضمانات القانونية للمعتقلين فى مواجهة السلطات.
لم تكن المحاماة بالنسبة إليها مجرد مرافعات داخل قاعات المحاكم، بل وسيلة لانتزاع حقوق حُرم منها أشخاص بسبب مواقفهم السياسية أو خلفياتهم العرقية.. ومع كل قضية، كانت تجربتها تتعمق فى فهم العلاقة بين القانون والسلطة، وبين النصوص القانونية والواقع الذى يعيشه ضحايا التمييز.
إلى جانب عملها القانوني، اتسع اهتمامها بحقوق النساء، وشاركت فى تأسيس منظمة «إيكوالتى ناو» المعنية بالدفاع عن حقوق النساء والفتيات. كما واصلت مسارها الأكاديمي، فحصلت على درجة الماجستير فى القانون من جامعة هارفارد عام 1982، ثم نالت درجة الدكتوراه فى العلوم القانونية عام 1988، لتجمع بين الخبرة العملية والتأهيل الأكاديمى المتقدم.
مع انتهاء نظام الفصل العنصرى وبدء التحول الديمقراطى فى جنوب إفريقيا، دخلت بيلاى مرحلة جديدة من مسيرتها.. حيث عُيّنت عام 1995كأول امرأة سوداء قاضية فى المحكمة العليا بجنوب إفريقيا، فى تحول عكس جانبًا من التغيرات التى شهدتها البلاد بعد عقود من التمييز.
مسيرتها الدولية
لكن العام نفسه حمل لها مسئولية أكبر، إذ انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التى أُنشئت لمحاكمة المسئولين عن الإبادة الجماعية التى شهدتها البلاد عام 1994، وما صاحبها من جرائم وانتهاكات جسيمة.
أمضت بيلاى ثمانى سنوات فى المحكمة، وتولت رئاستها بين عامى 1999 و2003 وهناك، برز دورها فى ترسيخ فهم قانونى أوسع للجرائم الجنسية خلال النزاعات المسلحة، من خلال القضية الشهيرة المعروفة باسم «أكاييسو».
ففى عام 1998، أصدرت المحكمة حكمًا تاريخيًا أكد أن الاغتصاب والعنف الجنسى يمكن أن يشكّلا جريمة إبادة جماعية إذا ارتُكبا بقصد تدمير جماعة محمية، كليًا أو جزئيًا.. وأسهم الحكم فى تغيير النظرة القانونية إلى العنف الجنسي، فلم يعد يُعامل باعتباره انتهاكًا منفصلاً بالضرورة عن سياق الحرب، بل يمكن أن يكون جزءًا من إستراتيجية تستهدف تدمير جماعة بشرية.
بين عامى 2003 و2008، عملت بيلاى قاضية فى المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تتولى عام 2008 منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهو المنصب الذى شغلته حتى عام 2014.
من موقعها الأممي، دافعت عن حقوق الإنسان والمساواة وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، وشددت على ضرورة محاسبة المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة. وكانت مهمتها تضعها فى مواجهة ملفات دولية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الالتزامات القانونية والحقوق الأساسية للأفراد.
بعد انتهاء ولايتها، واصلت العمل فى مجال العدالة الدولية.. وفى عام 2019، أصبحت قاضية مخصصة فى محكمة العدل الدولية ضمن القضية التى رفعتها غامبيا ضد ميانمار، على خلفية اتهامات بارتكاب إبادة جماعية بحق أقلية الروهينغا.
كما ترأست بين عامى 2021 و2025 لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضى الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.. حيث عملت اللجنة على التحقيق فى الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، فى حرب غزة وتداعياتها الإنسانية الواسعة، فى ملف أثار خلافات سياسية وقانونية حادة، ورفض إسرائيلى للاتهامات الإبادة الجماعية الموجهة إليها.
فى التاسع من أكتوبر 2026، أعلنت لجنة نوبل النرويجية منح نافى بيلاى جائزة نوبل للسلام، تقديرًا لجهودها فى تعزيز السلام والقانون الدولي، ودورها فى تطوير منظومة دولية تسعى إلى محاسبة مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
جاء التكريم تتويجًا لمسيرة امتدت قرابة ستة عقود، بدأت بمكتب محاماة صغير فى جنوب إفريقيا، حيث واجهت التمييز ودافعت عن المعتقلين السياسيين، ثم اتسعت لتشمل القضاء الوطنى والمحاكم الجنائية الدولية والأمم المتحدة.
تكتسب قصة بيلاى أهميتها من أنها لم تفصل بين السلام والعدالة؛ فبالنسبة إليها، لا يكفى وقف القتال ما لم تتوافر آليات لمحاسبة المسئولين عن الجرائم وحماية الضحايا من تكرار الانتهاكات.
كما أن وجود القوانين لا يضمن وحده تحقيق العدالة، ما لم تتوافر مؤسسات مستقلة وأشخاص مستعدون لتطبيقها رغم الضغوط السياسية.









