قصة قصيرة
بقلم/ سمية عبد المنعم
ارحم يديك فما في الدارِ من أحدٍ
لا ترجُ ردًّا فأهلُ الودِ قد راحوا
وَلترحم الدار لا تُوقظ مواجعها
للدور روحٌ كما للناس أرواحُ
لم تكد قدماه تطآن أرض الحديقة حتى غادره نعاسه، ومع أول برقة من نسيم ربتت على رئتيه، تنفس مبتسمًا.
اتسعت خطواته وراح يقطعها بين أشجار النخيل الكثيفة، تلك التي تحيط بيته حتى كأنها تحتضن حوائطه الطينية في شغف، وتتجاوزها لتتشابك سعفاتها في الأعلى، صانعة مظلة طبيعية، تقي المكان قيظ النهار.
بينما امتدت أنفاسه تستنشق رائحة زهر الرمان والسدر، التي غابت بين النخل كأنما تستمد الحماية من جواره، تسللت لأنفه رائحة أخرى، لكنها محببة إلى قلبه، إنها رائحة الخبيز، فأسرع نحو الفناء الخلفي من البيت ليجد أمه جالسة أمام “تنور الطين”، لتتداخل رائحة الخبز الزكية مع رائحة الثرى المخلوط بماء نهر الفرات، الشاخص منذ الأزل على بعد أمتار قليلة من باب البيت، حيث تلتف حول ضفافه حشائش القصب والبردي، كأنها تؤدي فرضًا مقدسًا كل صباح..
وهناك، ترسو قوارب “المشحوف” الخشبية، تداعبها الأمواج فتتمايل بخفة كأنما تبادلها دعابتها.
هكذا، تتنقل نظراته بين أمواج النهر الهادئة وجدران بيته القائم من الطين والآجر، الذي يتنفس من روح الأرض.
بتردد من لا يريد لعينيه أن تغادرا لوحة ملائكية الصنع، استدار ليواجه تلك “الدكة” الطينية، المقامة بجوار الباب، والتي أبت إلا أن يكون النهر ضيفها الأبدي.
فوقها يسكن بساط عراقي صوفي، زاهية ألوانه، يغلب عليها اللون الأحمر الداكن، فيما وضع أحدهم -يبتسم حين يتذكر أمه التي تركها تصنع الخبز اليومي عند تنور الطين- استكان الشاي فوق جمراتٍ تتصاعد منها رائحة الهيل، في انتظار استيقاظ البيت وساكنيه.
رفع ناظريه حيث طائر اللقلق يحط فوق إحدى النخلات، ويبدأ في صنع عش له، فهز رأسه في رضا:
– حتى الطيور المهاجرة تختارك يا فرات لتسكن إليك، وتغادرك مرغمة حين تجبرها الطبيعة على الهجرة.
زفر وراح يتأمل ما حوله في انتظار الفطور.
“عَنَة”، جنة عراقية أنبارية، صيغت من سحر الفرات وشموخ نخيله، وغموض التقاء الخضرة بالجبل.

يبتسم متذكرًا أن اليوم هو الأخير في امتحاناته، وأنه لم يعد سوى أسابيع حتى يتوج طبيبًا، مثلما تمنى أبوه قبل وفاته في إحدى الحروب، التي ما عاد يذكر تفاصيلها ولا يريد.
هنا اتسعت ابتسامته وهو يتخيل فرحة أمه، تلك الريفية البسيطة التي منت القلب برؤية كبيرها طبيبًا ملء العين وبراح الفرات.
لكن فجأة.. جف نهر الفرات، سقط نخيله صريعًا، وهجر طائر اللقلق أعشاشه، وأطفئ تنور أمه، وانسكب الشاي بالهيل على البساط.. حين فتح عينيه على صوت أنثوي يهتف بألمانية سليمة:
– جاسر، أيها البروفيسور العظيم، طلابك في انتظارك بالجامعة وأنت هنا تغط في نوم عميق، استيقظ يا حبيبي.
جال بناظريه في المكان حوله، وقد بدت عليه الدهشة وسؤال يتردد في ذهنه: “ما هذا البيت الحديث، البارد، أين بيتي وأين نهر الفرات؟!”
لكنه لم يلبث أن أدرك كونه يحلم.. وياله من حلم يجتر الماضي البعيد.

بعد نصف الساعة كان البروفيسور “جاسر” يقف في قاعة المحاضرات بجامعة هايدلبرج، أعرق جامعات ألمانيا، ويصطف أمامه المئات من طلاب كلية الطب، وهم ينهلون من علمه في انبهار واضح.
وعلى بعد أمتار من إحدى نوافذ القاعة المزدحمة، بدا طائر اللقلق يعتلي شجرة وارفة، ينظر عبر زجاج النافذة نحو “جاسر”، حيث انتبه إليه الأخير، فضيق عينيه في دهشة من وجود ذاك الطائر في المدينة، وهو الذي اعتاد سكنى الريف، حيث سحر الطبيعة، وأمانها.
ولم يلبث أن أشاح بوجهه عنه، وراح ينشغل بما يفعل.. بينما اكتفى الطائر بالدوران حول الشجرة وكأنه يبحث عن شيء ما، ثم فجأة انقض على النافذة يضربها بجناحيه، محدثا صوتًا جذب انتباه الطلاب، فراحوا يتهامسون حول وجوده وما يحدثه من ضجة.
وحده زال عنه التعجب، وأومأ إلى الطائر برأسه متفهمًا، ثم التفت في هدوء إلى الطلاب وأكمل الشرح.. هنا، هدأ طائر اللقلق، وخفض رأسه كأنما يبادله الإيماءة، ثم حلق بجناحيه عاليًا، حتى اختفى








