تظل حرب أكتوبر 73 نقطة فارقة في تاريخ مصر والوطن العربي، ليس فقط لأنها أعادت الكرامة واستردت الأرض وشهدت تحطيم أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، بل لأنها صنعت منهجًا متكاملًا في الصمود والإرادة أُطلق عليها فيما بعد “روح أكتوبر” حيث تلاحمت إرادة المقاتل في ميدان المعركة مع صلابة الشعب الذي وقف في ظهر جيشه، ليبنوا معًا ملحمة نصر عظيمة أذهلت العالم وحفرت في الوجدان والقلوب بحروف من نور أنه لا مستحيل أمام إرادة شعب أقسم على حماية أرضه وعرضه وصون كرامته.
واليوم ونحن نمر بتحديات جسيمة محليًا وأزمات عاصفة تتلاحق على الإقليمي والدولي من حروب وتوترات وتداعيات أوبئة وفيروسات ألقت بظلالها وخسائرها على اقتصاديات العالم أجمع، مرورًا بموجات ارتفاع الأسعار التي طالت كل مناحي الحياة والمؤامرات والمخططات التي تستهدف استقرار الدول وتماسك مجتمعاتها نجد أنفسنا في أشد الحاجة إلى العودة لاستدعاء هذه الروح العظيمة لمواجهة كافة التحديات والنهوض ببلدنا العظيم، استدعاء روح الولاء والانتماء لكل مصري أصيل يعشق تراب هذا الوطن.. نحتاج روح الإيثار وتغليب المصلحة العامة لمواجهة استغلال التجار الذين يستغلون الأزمات الاقتصادية.
إن “روح أكتوبر” لم تكن مجرد خطة عسكرية أو خطة عبور للساتر الترابي وحصونه المنيعة فحسب، بل كانت عقيدة راسخة قامت على العزيمة والإرادة والإيمان والتخطيط الدقيق وتغليب المصلحة العامة، وتلاحم شعب عظيم أبدى جاهزية كاملة للتضحية بماله ودمه فداء لوطنه، وهي ذاتها مقومات العبور التي نحتاجها اليوم لتخطي الأزمات الاقتصادية والتحديات التنموية، فاستكمال الطريق وإنجاز المشروعات القومية والتنموية في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية بمثابة عبور جديد يضمن استقرار الوطن ويرفع رايات البناء والتنمية.
إن تخطي هذه المرحلة يفرض علينا استعادة معاني الإيثار، والوقوف صفًا واحدًا في وجه جشع التجار ومحاولات استغلال الأزمات، والالتفاف الواعي حول مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والشرطة لحماية المقدرات الوطنية، كما ينبغي أن نتحلى بالوعي والبصيرة لمواجهة أصحاب الفكر المتطرف والمؤامرات والمخططات المغرضة التي تسعى لبث الفتنة وشق الصف وفك النسيج الوطني لكافة الشعوب.
ولأن معركة اليوم هي بالأساس وعي وبناء، فإن المسؤولية تقع على عاتق الشباب والإعلام وكافة مؤسسات الدولة المعنية للاستفادة من دروس أكتوبر المجيدة فالتحديات عديدة ولم تعد تقتصر على المواجهات الميدانية، بل تمتد إلى حروب الجيل الرابع والشائعات والمحاولات المستمرة لتزييف الحقائق وإشاعة روح الإحباط.. إن تحويل “روح أكتوبر” إلى سلوك يومي يعتمد على إتقان العمل، وتعزيز الثقافة والتعليم، ودعم المنتج المحلي، والابتكار في شتى الميادين، هو السبيل الأمثل لبناء جيل قادر على حماية مقدرات وطنه ومواجهة مختلف الشدائد بعزيمة لا تلين وإرادة من حديد.
ومثلما أثبتت حرب أكتوبر 1973 المعدن الأصيل للمصريين الذي يظهر أوقات الشدة وأبرزت أسمى صور التضامن والإخلاص للوطن، فإن عبور أزمات وتحديات الحاضر مرهون بتكاتف الجميع واستحضار روح النصر وراياتها.. إن روح أكتوبر ليست مجرد ذكريات تُروى، بل هي قوة متجددة تبعث العزيمة وتدفع نحو العمل والإنجاز، لنؤكد للعالم أجمع أن شعب مصر الذي تجاوز نكسة 1967 وصنع نصر أكتوبر 1973، يمتلك دائمًا القدرة على عبور التحديات، والانطلاق بثبات نحو آفاق المستقبل والتنمية والاستقرار.
شكرًا أبطال أكتوبر 73 وتحية لأبطال القوات المسلحة والشرطة المدنية جناحا الأمن والأمان.. نقدر تضحياتكم ودوركم العظيم في الدفاع عن الوطن وضمان استقراره..
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وشرطتها، وعاشت راية الوطن عالية خفاقة بعزيمة أبنائها وإرادتهم الصلبة.








