يا عزيزي: احترس من الحارس الذى يحتاج حارساً، فحين يصبح المؤتمن على الأسرار متهما بتسريبها، فإننا نكون أمام خلل يتجاوز فساد شخص إلى سؤال عن سلامة المؤسسة التى منحته ثقتها، وأودعت بين يديه مفاتيحها. فمن يراقب الذين يراقبون؟ ومن يحرس الذين يحرسون؟ وكيف نحمى الدولة ممن يعرفون تفاصيل حمايتها، ومداخلها ومخارجها، ونقاط قوتها وضعفها؟
الذى فتح هذا الملف وسلَّط الضوء على هذه المخاوف ما تشهده ألمانيا الآن حيث تواجه واقعة بالغة الخطورة: اعتقال أوجست هانينج، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية، ومعاونه السابق، على خلفية اتهامات بالتجسس ومحاولة الخيانة والتعامل غير المشروع مع أسرار الدولة. الرجل الذى قاد الجهاز بين عامى 1998 و2005 أصبح تحت التحقيق فى قضية تتعلق بالأمانة التى أمضى سنوات مسئولاً عن صيانتها.
والمدهش أن الطريق إلى هذه القضية مر عبر خلاف بين زوجين! بدأت الحكاية بنزاع على حضانة الأطفال بين كريستينا بلوك، ابنة مؤسس سلسلة مطاعم «بلوك هاوس» الألمانية الشهيرة، وطليقها المقيم فى الدنمارك، وفى ليلة رأس السنة 2023 ــ 2024، اختطف طفلان من جوار والدهما ونقلا إلى ألمانيا، وتواجه الأم اتهاما بتكليف شركة أمنية إسرائيلية بتنفيذ العملية، وهو ما تنكره، قبل أن يُعاد الطفلان إلى أبيهما بقرار قضائي.
نزاع أسرى دخلته الأموال والشركات الأمنية، فتجاوز أبواب المحاكم إلى عمليات عابرة للحدود وحين يجتمع المال مع خبرات أمنية تبحث عن زبائن، تصبح الحدود بين خدمة مشروعة وعملية إجرامية عرضة للعبث فالقدرة على تنفيذ شيء لا تمنح صاحبها الحق فى تنفيذه، والغضب من حكم قضائى لا يبيح شراء قوة تفرض حكمًا آخر!
وخلال تفتيش منزل ومكاتب هانينج فى سبتمبر 2025، ضمن التحقيقات المرتبطة بقضية بلوك، عثر المحققون على مواد فتحت أمامهم ملفًا أشد خطورة. كانوا يبحثون عن أدلة تتعلق بقضية أطفال، فوجدوا خيطًا يقود إلى أسرار الاستخبارات الألمانية.
وبحسب الاتهامات، يُشتبه فى أن معاونه السابق «مانفريد د.» أمده مقابل المال بنحو ألفى وثيقة داخلية حتى يونيو 2022، بينها وثائق مصنفة سرية، وأن هانينج استخدم معلومات منها فى إعداد تحليل موجه إلى جهاز استخبارات أجنبي. وهذه اتهامات لا أحكام نهائية ، فالرجل ينكر ارتكاب مخالفة، وهوية الجهات الأجنبية وتفاصيل وصول المعلومات إليها لم تُحسم علنًا ولكن خطورة السؤال قائمة: ماذا يحدث حين تتحول المعرفة التى اكتسبها مسئول فى خدمة وطنه إلى بضاعة فى سوق الاستشارات؟ أين تنتهى خبرته الشخصية، وأين تبدأ ملكية الدولة لأسرارها؟ وهل يخرج المسئول من منصبه حاملاً سيرته المهنية، أم يظن أن من حقه حمل خزائن المؤسسة معه؟
إن أسرار الدول ليست ذكريات وظيفية يحتفظ بها أصحابها، ولا مكافأة نهاية خدمة يتصرفون فيها كما يشاءون ، وراء المعلومة مصدر قد يدفع حياته ثمنا لكشفه، ووسيلة عمل قد تضيع، وعلاقة تعاون قد تنهار ، وقد أثارت القضية مخاوف لدى أجهزة استخبارات أوروبية بشأن سلامة المعلومات المشتركة والثقة فى التعاون مع ألمانيا.
فى تقديري، أخطر ما يصيب المؤسسات أن تطمئن إلى الأسماء أكثر مما تطمئن إلى القواعد، وأن تعتبر طول الخدمة شهادة أبدية بحسن الأمانة ،فالمنصب لا يعصم صاحبه من الطمع، والخبرة لا تمنعه من الانحراف، والثقة حين تمنح بلا مراجعة قد تتحول إلى غطاء يحجب الخطر عن العيون.
ومن هنا تأتى قيمة الرقابة التى لا تستثنى أحدا، والمحاسبة التى لا ترتبك أمام لقب سابق أو تاريخ طويل ، واللافت أن التحقيقات الألمانية وصلت إلى رئيس سابق للاستخبارات ، فالدولة تحمى نفسها حين تستطيع مساءلة كبار مسئوليها، وتضع الدليل فوق المكانة، والقانون فوق العلاقات.
قد تثبت التحقيقات بعض الاتهامات، وقد تنفى بعضها، والكلمة الأخيرة للقضاء. لكن الدرس يتجاوز هذه القضية: احترس من الحارس الذى يحتاج حارساً، وراجع المفاتيح قبل أن تطمئن إلى الأبواب ، فنحن نستعين بالملح لحفظ الأشياء من الفساد، ولكن من يصلح الملح إذا الملح فسد؟









