ويجب أن اعتذر فى البداية لأنى تأخرت فى الكتابة عن هذا المدهش وقد جاء به المخرج أشرف فهمى لكى يظهر فى مشهد واحد خلال فيلم «لصوص خمس نجوم» الذى كتب له السيناريو والحوار عن قصة للكاتب الكبير وجيه أبوذكري.. المشهد جرى عند أهرامات الجيزة حيث يدبر المستشار القانونى للبنك «أبوبكر عزت».. مع النصاب الدولى «مصطفى فهمي» أمر الاستيلاء على أموال البنك فى صفقات مشبوهة من القمح الذى لم يكن إلا رملاً.. فجأة تصرخ سائحة وهى فوق الجمل تستغيث.. وهنا اقترب أبوبكر من صاحب الجمل «يوسف عيد» يسأله: ايه الحكاية.. أنت عاوز تبوظ السياحة وتضيع على البلد العملة الصعبة فما كان جواب يوسف إلا أن قال:
ــ اتفقت معاها على أن الركوب بخمسة دولارات.
قال أبوبكر: وايه المشكلة؟
رد يوسف: ما هو الركوب بخمسة والنزول بخمسة؟!! وتحول المشهد إلى لقطة يصفق لها المشاهد فى كل مرة يذاع فيها الفيلم وعندما حلت ذكرى وفاته (22/9/2014) قلت يا الله.. كأنه رحل بالأمس.. وصدقت على كلام ابنه هانى على وسائل التواصل الاجتماعى لماذا لم يحصل ابى على التكريم الواجب المستحق.. وعرفت من صديقى الكاتب الكبير المهندس أحمد السعيد المعروف بأديب البرج «نسبة إلى تواجده فى مدينة برج العرب» عرفت منه أنه كتب رواية كاملة بعنوان «ولد وبنت» ورأى فيها يوسف فى شخصية وكيل محامٍ وكان يود أن يهديها إليه بعد صدورها.. لكن القدر كانت كلمته سابقة ورحل «عيد».
الحالة
هذا المكافح الذى لم يدرس الفن فى معهد.. أخذها من تحت تحت.. وشق طريقه بدراعه هو ليس بنتا حلوة.. أو ابن أو قريب فلان الفلاني.. وجوده فى زحمة المجاميع لا كلمة ولا حركة.. إلا أن فتح فمه.. وإذا انطلق صوته يلفت الأنظار وهى اللعبة التى أتقنها.. خاصة على المسرح وتميز بها وكانت من علاماته المميزة.. ولانه يفتش عن الفرصة مهما كانت محدودة تحول إلى صياد فى كل عمل فنى خاصة على المسرح.. والمعروف أن الكل يخدم على نجم العمل.. وممنوع أن يسرق الأضواء أحد الممثلين إلا بموافقة «الجراند».. وشطارة الممثل الصغير تتيح له أن يقول حاجة ولو سرقة فإذا ضحك الجمهور واستجاب لها لا بأس من تكرارها لكن فى حدود لأن الباشا النجم له الأولوية.. والضرورة تحكم فلا يمكن للعمل أن يعتمد على النجم وحده.. طوال العرض.. فإذا حدث وخرج تكون الأمور اسهل أمام الممثل الجديد لكى يشغل هذا الفراغ حتى يعود الباشا أو الست النجمة إلى خشبة المسرح.. ومن لقطة إلى مشهد إلى دور.. حفظ الجمهور ملامح وجهه الاسمر وضحكته المجلجلة وموال يرقعه يهز به الصالة والناس كانت حائرة بينه وبين سليمان عيد وكلاهما حفر اسمه على الشاشة.. وان كان وجهه قد سبق المعرفة بصاحبه.. ولأن الفن أصبح مصدر رزقه الوحيد.. يوم فيه وعشرة بلا ريجسير يدق على بابه يحمل إليه أمر الشغل أو الأوردر.. سارت رحلته بين قهوجى فى شارع محمد على وسط زحمة من الاسماء فريد شوقى وشريهان وهشام سليم مع وحيد سيف والمنتصر بالله.. فعلها وقال: أنا هنا وافسحوا له الطريق.. بعد أن وثقوا فى قدراته.. وتذكر بعضهم أنهم قبل النجومية تعلقوا فى حبال اثبات الوجود والجمهور يذكر جيدًا دوره فى فيلم الناظر زكريا الدرديري.. والحانوتى فى فيلم «جعلتنى مجرمًا» والمدرب العبقرى فى الكبير أوي.. وبعضهم قال إنه ينافس حسام حسن فى قدراته.. ولكن لا أنسى له غلاسته مع أحمد زكى على الكورنيش فى الفيلم البديع «أضحك الصورة تطلع حلوة» وهما يتنافسان على المكان حتى دخلت ليلى علوى بقبضتها الحريرية لكى تحسم المسألة لصالح زكى والقلب وما يريد.
وهو الوكيل الفلتة للمدرسة التى يعمل بها رمضان مبروك أبوالعلمين.. دور مسخرة ما بعدها مسخرة وإلى جانبه.. كوميديان حكاية آخر هو ضياء الميرغني.. ولما درات عجلة الشغل.. والانتشار.. داهمه فيرس لعين فى عينه اضطره أن ينفق أغلب ما يكسبه على علاج البصر وإلا فقد كل شيء.. لكنها الاقدار تقبلها راضيًا بالمكتوب.
المشهد الأخير
عندما تتأمل الوجوه التى حضرت شادر العزاء من أهل الفن.. ستجدهم جميعًا من الممثلين بجد أو قطاع الشغيلة كما أطلقت عليهم فتوح أحمد، هادى الجيار، أحمد بدير، عمرو عبدالجليل، محمد متولى، محمد الصاوى، ابراهيم يسري، محمد أبوداود، منير مكرم، سامى مغاوري، محمد مزربان، حسام داغر، سامح الصريطى، طلعت زكريا.. ومن المخرجين سعيد حامد وأحمد صقر وعمرو عابدين وقد تعمدت أن اذكرهم بالاسم.. كلهم مشاهير بالطبع ولم يصبهم فيروس النجومية والتعالى على الزملاء وعندهم درجة عالية من الإنسانية سواء مع زملاء المهنة صغيرهم قبل كبيرهم والجمهور يستشعر ذلك فيهم مهما اختلفت ادوارهم.. ويكفى ان الجنازة مشى خلفها انفار قليلة فى لحظات الوداع والكل معرض لها.. والمشى خلفها له أجره عندالله وكلنا لها وكنت اظن أنه مات بالأمس القريب.. ولما رجعت إلى التواريخ وجدت أنه فارقنا من 12 عامًا ولكن حضوره الجميل يغطى على غيابه وعندما يظهر ابنه هانى مطالبًا بتكريمه فى مهرجان المسرح أو مهرجانات السينما وما اكثرها نقول له عندك ألف حق.. لان والدك يستحق ونبصم بالعشرة على ذلك لأن يوسف عيد حالة.. وليس مجرد كمالة.. وفقا لنظرية الكشري.. لانك إذا منحت نفس الدور الصغير الذى يلعبه يوسف لغيره.. فسوف يدخله ويخرج منه دون أن تشعر به وتلك هى صنعة الممثل الذى يصنع بطولة من لا شيء.. وهى نفس المدرسة التى خرج منها رياض القصبجى وزينات صدقى ووداد حمدى وعبدالفتاح القصرى وعبدالسلام محمد ونبيلة السيد وعشرات من أمثالهم.. بينما هناك من أخذوا البطولات وفشلوا لأن الأدوار لا يمكن أن تقاس بالمتر أو بالكيلو.. لكن العبرة فيمن يلعبها صح!









