تدخل العلاقات المصرية الكورية الجنوبية مرحلة جديدة أكثر طموحًا واتساعًا، فى ضوء الزيارة التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى العاصمة الكورية سول، وما شهدته من مباحثات رفيعة المستوى ولقاءات مكثفة مع قيادات الدولة ومجتمع الأعمال، عكست إرادة سياسية مشتركة للانتقال بالعلاقات بين البلدين من إطار التعاون التقليدى إلى آفاق أوسع من الشراكة الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية.
وتكتسب زيارة الرئيس السيسى أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تأتى فى أعقاب زيارة الرئيس الكورى لمصر فى نوفمبر 2025 بمناسبة مرور 30 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولكن أيضًا لأنها أسفرت عن خطوة تاريخية تمثلت فى الاتفاق على إرساء شراكة استراتيجية بين مصر وكوريا الجنوبية، بما يعكس المكانة المتنامية للعلاقات الثنائية وحرص القاهرة وسول على بناء تعاون طويل الأمد فى مجالات الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. ولعل أبرز الرسائل التى حملتها الزيارة أن الاقتصاد يمثل المحور الأهم فى المرحلة الجديدة للعلاقات المصرية الكورية. فقد شارك الرئيس السيسى فى مائدة مستديرة جمعت 23 من رؤساء كبريات الشركات الكورية وممثلى مجتمع الأعمال، ووجه دعوة واضحة لتعزيز الاستثمارات الكورية فى مصر، وتوسيع نطاق التعاون ليشمل التصنيع المشترك وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات والابتكار.وفى هذا السياق، جاءت دعوة الرئيس السيسى إلى إنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارها أحد أهم المشروعات القادرة على إحداث نقلة نوعية فى العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فهذه المنطقة يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمى للإنتاج والتصدير للشركات الكورية، مستفيدة من الموقع الاستراتيجى لمصر، ومن شبكة الموانئ والبنية التحتية المتطورة، فضلًا عن اتفاقيات التجارة الحرة التى تتيح الوصول إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية واسعة.وتبدو الفكرة أكثر أهمية إذا نظرنا إلى التجربة الكورية نفسها؛ فكوريا استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول من اقتصاد محدود الموارد إلى واحدة من أهم القوى الصناعية والتكنولوجية فى العالم، اعتمادًا على الاستثمار فى الإنسان والتعليم والبحث العلمى والصناعة والتكنولوجيا والابتكار. ومن ثم فإن توسيع التعاون مع كوريا لا ينبغى أن يقتصر على جذب رؤوس الأموال، وإنما يجب أن يستهدف الاستفادة من الخبرة الكورية فى بناء سلاسل القيمة الصناعية ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى السوق المصرية. وهنا تظهر فرص ضخمة أمام البلدين فى قطاعات وصناعات المستقبل. فقد طرحت مصر خلال الزيارة مجالات متعددة للتعاون، من بينها صناعة السيارات والمركبات الكهربائية، وبناء السفن، والإلكترونيات، والبتروكيماويات، والصناعات الدوائية، إلى جانب الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى ومراكز البيانات والمدن الذكية والطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية وتكنولوجيا تخزين الطاقة.ويمثل قطاع التكنولوجيا تحديدًا مساحة واعدة للغاية للشراكة المصرية الكورية. فمصر تمتلك قاعدة كبيرة من الكفاءات البشرية الشابة، وسوقًا محلية ضخمة، وموقعًا جغرافيًا يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للخدمات الرقمية، بينما تمتلك كوريا خبرات متقدمة فى الذكاء الاصطناعى والإلكترونيات والاتصالات وأشباه الموصلات والتصنيع الذكي. والجمع بين القدرات البشرية والموقع المصرى من جانب، والتكنولوجيا والخبرة الصناعية الكورية من جانب آخر، يمكن أن ينتج نموذجًا متكاملًا للتعاون يتجاوز مجرد الاستيراد والتصدير إلى الإنتاج المشترك والتصدير للأسواق الإقليمية.
كما أن الأرقام تعكس بالفعل وجود قاعدة قوية يمكن البناء عليها؛ فقد بلغت الاستثمارات الكورية الجنوبية فى مصر خلال العام المالى 2024/2025 نحو 413.8 مليون دولار، مقابل 288.3 مليون دولار فى العام السابق، فيما تحقق الشركات الكورية العاملة فى مصر إنتاجًا سنويًا يتجاوز 1.5 مليار دولار، يوجه نحو 80 ٪ منه للتصدير إلى عشرات الدول.. وبالطبع هذه الارقام تعد محدودة للغاية قياسا بالامكانات الهائلة للبلدين والطموحات والاهداف المنتظرة لشراكة قوية فعالة فى مجالات وقطاعات عديدة . ومن هنا فإن إنشاء منطقة صناعية كورية فى قناة السويس يمكن أن يمثل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة، تتحول فيها مصر إلى منصة إنتاج وتصدير للشركات الكورية إلى إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وليس مجرد سوق لاستقبال المنتجات الكورية.
والأهم أن البلدين أعلنا استعدادهما لتوسيع التعاون التجارى والاستثمارى وبدء مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة «CEPA»، إلى جانب التعاون فى التصنيع والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعى والمدن الذكية وتوطين الصناعات.









