فى عالم تتسارع فيه الأحداث وتتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية والدولية، لم يعد مفهوم «الأمن القومي» مجرد مصطلح عسكرى يعنى بالدفاع عن الحدود والذود عن الأوطان بالسلاح فحسب، بل تحول إلى منظومة شاملة ومتكاملة تشمل الاقتصاد والمعرفة والفكر والتكنولوجيا والثقافة. وبالنسبة لمصر الدولة التى تشكل ركيزة الاستقرار فى قلب الشرق الأوسط وواحدة من أقدم الحضارات وأعرقها، فإن الوعى بالأمن القومى ليس ترفاً فكرياً أو خياراً عابراً، بل هو ضرورة وجودية ملحة وحاجة وطنية ماسة لا غنى عنها لضمان استمرار مسيرة البناء والتنمية.
ولكى ندرك بعمق أهمية الوعى بالأمن القومي، يجب علينا أولاً تجاوز المفهوم الكلاسيكى الذى يختزل الأمن فى القوة العسكرية البحتة.. الأمن القومى المصرى الحديث هو مظلة شاملة تحمى الدولة فى كافة قطاعاتها.
فالأمن العسكرى هو حماية الحدود البرية والبحرية والجوية ضد أى تهديدات خارجية، وهو الدرع الأول والاستباقي.
والأمن الاقتصادى هو ضمان تدفق السلع الاستراتيجية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوفير الطاقة، وتحقيق التنمية المستدامة التى تقضى على البطالة والفقر.
والأمن المائى والغذائى هو قضية حياة أو موت بالنسبة لمصر، لاسيما فيما يتعلق بحصة نهر النيل وتأمين رغيف الخبز والغذاء للمواطنين فى ظل الأزمات العالمية المتتالية.
أما الأمن السيبرانى والمعلوماتى هو حماية البنية التحتية الرقمية للدولة، والتصدى للحروب الاصطناعية التى تستهدف عقول الشباب وبث الشائعات.
إن إدراك هذا الشمول يمكن المواطن من فهم لماذا تتخذ الدولة قرارات معينة، ولماذا توجه الموارد نحو قطاعات دون أخرى، مما يخلق حالة من التناغم الشعبى والوعى الجمعى المساند لجهود الدولة.
وتقع مصر فى قلب تقاطع جغرافى فريد، يجعلها عرضة لتأثيرات وتداعيات الأزمات الإقليمية المحيطة بها من كل جهة. فمنذ عقود، والحدود المصرية تشهد تحديات أمنية غير مسبوقة.
فالحدود الغربية في ليبيا تشهد حالة عدم الاستقرار وتمثل بؤرة لتسلل الجماعات الإرهابية.
والحدود الشرقية فى سيناء وفلسطين، تشهد التهديدات المستمرة على الحدود وتصاعد التوترات فى قطاع غزة وتأثيراتها المباشرة على الأمن القومى المصري.. وفي العمق الإفريقى وباب المندب نجد التأثير المباشر لأمن البحر الأحمر وخليج عدن على حركة الملاحة العالمية فى قناة السويس، وهو شريان حيوى للاقتصاد المصرى والعالمي.
هذه الخريطة الجيوسياسية المشتعلة تعنى أن أى ثغرة فى الداخل المصرى سيتم استغلالها فوراً من قبل أطراف إقليمية ودولية تسعى للنيل من استقرار الدولة.. وهنا تبرز الحاجة الملحة لأن يكون كل مواطن خفيراً على وطنه، مدركاً لحجم المخاطر الحقيقية التى تحيط بالبلاد، بعيداً عن التهوين أو التهويل.
وفى عصر العولمة وثورة المعلومات، لم تعد الحروب تخاض فقط بالدبابات والطائرات، بل باتت تشن عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعى من خلال ما يعرف بحروب الجيل الرابع والخامس. وتعتمد هذه الحروب بشكل أساسى على بث الشائعات والأكاذيب لتشويه إنجازات الدولة، وإحباط العزائم، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية.. وهناك استهداف الشباب عبر المحتوى الموجه لإضعاف الهوية الوطنية وتفريغ الانتماء من مضمونه. وكذلك خلق حالة من السخط المستمر لتسهيل عمليات التجييش والتخريب الداخلي.. ومن هنا فإن الوعى بالأمن القومى هو السلاح الأقوى لمواجهة هذه الحرب النفسية والإعلامية.. والمواطن الواعى هو «الفلتر» الحقيقى الذى يميز بين الغث والسمين، وقد أدركت الدولة المصرية هذه المعادلة بوضوح، فعملت على مسارين متوازيين خلال العقد الأخير، من خلال بناء وتطوير قدرات الجيش المصرى ليكون أحد أقوى جيوش المنطقة والعالم دفاعاً عن السلام وردعاً لأى معتدٍ.. وتم إطلاق المشروعات القومية الكبرى فى البنية التحتية، والطرق، والمدن الجديدة،
وبناء الوعى بالأمن القومى ليس مسئولية الحكومة وحدها، بل مسئولية تضامنية تشارك فيها مؤسسات المجتمع بأكمله.. وتظل مصر مستهدفة على مر التاريخ لموقعها ومكانتها وريادتها، ولن تكسرها المؤامرات الخارجية طالما امتلكت درعاً حصيناً من الوعى الشعبى والوطني.. إن الحفاظ على الدولة المصرية الحديثة هو حماية لهوية وثقافة وتاريخ أمة امتدت جذورها لأكثر من سبعة آلاف عام.. وإن وعى المواطن المصرى بأمن وطنه واقتصاده وثقافته هو الصخرة التى تحطمت وتتحطم عليها كل مخططات التخريب والتقسيم.. فلنكن جميعاً على قدر المسئولية، وأعين بحجم الأمانة، حراساً أوفياء لتراب هذا الوطن الغالي.
وللحديث بقية









