كثرت المخاطر والتحديات وتنوعت التهديدات والأزمات التى تواجه مصر الآن، من جيرانها قبل أعدائها ومن الداخل أيضاً قبل الخارج.. ولكنها ما زالت واقفة شامخة تواجه كل هذه التيارات بقوة وعزيمة وبعلم وبفكر إستراتيجى حديث مع التطوير والتحديث فى كل قطاعات البلاد، دون الانزلاق فى فخ الحروب التى يتم الدفع إليها من الشرق والغرب والشمال والجنوب أيضاً بفضل القيادة الحكيمة، تحولت مدينة العلمين الجديدة إلى منصة سياسية تعكس اتساع الدور المصرى فى صياغة معادلات الأمن والاستقرار فى أفريقيا والبحر الأحمر.
ففى الرابع من أكتوبر 2026، استضاف الرئيس عبدالفتاح السيسى قمة رباعية تشاورية جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، لمناقشة تطورات القرن الأفريقى والبحر الأحمر وتعزيز التعاون السياسى والاقتصادي. وأكد «إعلان العلمين المشترك» احترام سيادة دول المنطقة واستقلالها وسلامة أراضيها والالتزام بالقانون الدولي. وتزامن ذلك مع استضافة القمة التنسيقية الثامنة لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، وقمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الأفريقى للتنمية «أودا-نيباد». وهكذا جمعت العلمين بين التشاور الأمنى والتعاون التنموي، منذ عام 2011، واجهت مصر تحديات متزامنة، شملت الإرهاب والاضطرابات الإقليمية وانهيار مؤسسات دول مجاورة، إلى جانب الأزمات فى ليبيا والسودان وغزة والبحر الأحمر،
ومن هنا، تُقرأ السياسة المصرية باعتبارها عملية لإعادة بناء مصادر القوة الشاملة. فالقوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصاد والموقع الجغرافى وبناء الشراكات أدوات متكاملة لحماية المصالح الوطنية. وتبرز أهمية هذا التكامل عندما تتداخل الأزمات المائية والحدودية والبحرية مع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. واكتسب اجتماع القمم فى العلمين دلالة تتجاوز البروتوكول؛ إذ جمعت مصر دولاً تقع فى قلب القرن الإفريقى والبحر الأحمر، حيث يتصاعد التنافس حول الموانئ والممرات البحرية والطاقة والنفوذ. وتزيد الحرب فى السودان والتوترات الإثيوبية -الإريترية والتحديات الصومالية من حساسية المشهد، وتجعل الحضور المصرى ضرورة إستراتيجية لحماية الاستقرار والمصالح المشتركة. كما يمنح هذا الحضور القاهرة قدرة أكبر على فهم التحولات والتأثير فيها، من خلال الحوار والتنسيق ودعم مؤسسات الدول. فالفراغ السياسى والأمنى فى هذه المنطقة يتيح تمدد الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، ويضاعف مخاطر انتقال الأزمات عبر الحدود. وازداد حساسية المشهد مع تأكيد إثيوبيا رغبتها فى الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. فهذا المطلب يتصل بسيادة الدول الساحلية وبقواعد القانون الدولي، ويتداخل مع حسابات الأمن الإقليمي. وبالنسبة لمصر، ترتبط التحركات الإثيوبية كذلك بملف مياه النيل، بما يفرض متابعة دقيقة للعلاقة بين المياه والموانئ والنفوذ الجيوسياسي. ولا تعترض القاهرة على حق إثيوبيا فى التنمية، وإنما تتمسك بقواعد واضحة وملزمة لملء السد الإثيوبي وتشغيله، والتعامل مع فترات الجفاف، بما يصون مصالح الدول الثلاث. فالأمن المائى المصرى يرتبط باستقرار المجتمع والغذاء والاقتصاد.
فى هذا السياق، تكتسب العلاقات مع السودان والصومال وإريتريا والعواصم الأفريقية أهمية متزايدة. فحماية الأمن القومى تتطلب معرفة مصادر الخطر والتعامل معها مبكرًا، وبناء مصالح متبادلة تعزز الاستقرار وتفتح مسارات للتسوية. وكلما اتسعت دوائر التعاون، ازدادت قدرة مصر على الدفاع عن حقوقها وتوضيح مواقفها. أما البحر الأحمر، فقد أصبح ساحة رئيسية للتنافس الإستراتيجي، بعد أن فرضت التطورات الإقليمية ارتباطًا وثيقًا بين أمن الملاحة والصراعات المحيطة به. ويؤثر اضطراب باب المندب وخليج عدن والسواحل والموانئ مباشرة فى التجارة العالمية والطاقة وقناة السويس، بما يجعل استقرار هذا المجال أولوية مصرية وعربية ودولية.
وقد عكس التأكيد المصرى – السعودى على حرية الملاحة وأمنها إدراكًا مشتركًا لأهمية البحر الأحمر. وتملك مصر موقعًا استثنائيًا يصل المتوسط بالبحر الأحمر، إلى جانب قناة السويس، الأمر الذى يمنحها دورًا محوريًا فى ترتيبات الأمن البحري. ويقتضى هذا الدور تنسيقًا مستمرًا مع الدول المعنية، وحماية الممرات وفق القانون الدولي. وتظل العلاقات المصرية مع دول الخليج ركيزة إستراتيجية عميقة،
لأن استقرار المنطقة مصلحة مشتركة، بينما يؤدى تصاعد التنافس إلى تعقيد الأزمات وإضعاف فرص التسوية.
وتقوم السياسة المصرية حاليا علي تنويع العلاقات والحفاظ علي استقلال القرار الوطني.
يبرز فى هذا الإطار نهج مصرى يستهدف منع الحصار الإستراتيجي؛ عبر دعم الاستقرار غربًا وجنوبًا، وصون الأمن المائى والبحري، وتعزيز الحضور فى إفريقيا. فالتحرك المبكر وبناء شبكة من العلاقات والمصالح يمنحان الدولة قدرة أكبر على مواجهة الضغوط، ويحدان من فرص عزلها أو استنزاف مواردها. وتحتاج هذه الشبكة إلى مشروعات ملموسة فى التجارة والنقل والطاقة والتدريب وبناء القدرات، حتى يشعر شركاء مصر بأن التعاون يحقق منفعة متبادلة. فالتنمية تدعم الأمن، والأمن يهيئ بيئة التنمية، وتكامل المسارين يعزز الثقة ويمنح الشراكات أساسًا أكثر صلابة فى مواجهة التقلبات.
لقد حملت العلمين رسالة مفادها أن مصر حاضرة فى صياغة مستقبل محيطها الإفريقى والبحري. وتظل حماية هذا الحضور مرتبطة باستمرار الدبلوماسية الفاعلة، وتعدد الشراكات، واستقلال القرار، وصون الحقوق وفق القانون الدولي. وهكذا يتحول الموقع الجغرافى إلى قوة سياسية، وتتحول الشراكات إلى سند للأمن القومى المصري، فى منطقة تحتاج إلى التعاون والاستقرار بقدر حاجتها إلى الحزم وحماية السيادة.









