تطرح عقيدة «أمريكا أولا» فى ولاية ترامب الثانية معادلة مريرة لآسيا والعالم، فهى تقليص للالتزامات الدولية وتراجع عن حماية الاستقرار العالمي، مقابل مطالبة الحلفاء بتحمل فاتورة الردع، وإدارة تنافس معقد مع الصين يراوح بين التلويح العسكرى الصارم وصفقات التجارة المتبادلة.
هذا هو الواقع الذى يعيشه العالم حاليا.. بالرجوع الى إستراتيجية الأمن القومى الامريكى نجدها تمنح الأولوية القصوى لنصف الكرة الغربى عبر ما تسميه «ملحق ترامب» لمبدأ مونرو، وتبدى اهتماما ضئيلا نسبيا بالشرق الأوسط وأفريقيا، وتتهم أوروبا بالتراجع الحضاري. وفى هذا المشهد تبدو آسيا فى الصف الثاني، لكن الصين، وهى الدولة الأكثر حضورا فى النص، لا تغيب عن أى حساب.
هنا تكمن المفارقة، فالوثيقة التى تبعد آسيا عن الصدارة تجعل من تايوان أولوية قصوي، وتتحدث مع بكين بلغة شريك اقتصادى محتمل وخصم عسكرى فى آن واحد.
فهل تنسحب واشنطن من آسيا فعلا، أم تعيد تعريف طريقة إدارة المنافسة مع الصين بكلفة أقل وشروط أقسي؟ وهل تصمد إستراتيجية تضغط على حلفائها بينما تحتاج إليهم؟
لم تعد آسيا تحتل الموقع الأول فى ترتيب الأولويات الذى ترسمه إستراتيجية الأمن القومى الأمريكية. تكشف هذه الإستراتيجية عن تحول واضح فى ترتيب الأولويات، لكنه لا يبدو انسحابا أمريكيا من آسيا بقدر ما يعكس إعادة تعريف لطريقة إدارة الحضور والمنافسة فيها. فبينما تمنح الإستراتيجية الأولوية القصوى لنصف الكرة الغربي، وتولى اهتماما أقل بالشرق الأوسط وأفريقيا، تظل آسيا حاضرة بقوة فى الملفات التى تعتبرها واشنطن ذات أهمية إستراتيجية واقتصادية وعسكرية، وعلى رأسها الصين وتايوان والتجارة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية.
وهنا تظهر المفارقة التى تختصر المشهد كله، تراجع آسيا فى ترتيب الأولويات لا يعنى تراجع أهميتها فى الحسابات الأمريكية. فالصين هى الدولة الأكثر وروداً فى الإستراتيجية، بينما تسعى واشنطن إلى إعادة التوازن فى علاقتها معها، وردع أى صراع حول تايوان، ومنع أى قوة منافسة من الوصول إلى هيمنة إقليمية فى آسيا، والحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة، وإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الآسيويين.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت واشنطن قد تخلت عن آسيا، وإنما كيف تريد إدارة التنافس فيها، وبأى أدوات، ومن يتحمل كلفة هذا الانخراط. فالإستراتيجية تؤكد أهمية القوة العسكرية الأمريكية، لكنها فى الوقت نفسه تضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعى والمساهمة بصورة أكبر فى الردع. وهى تريد علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة مع الصين، لكنها تسعى فى الوقت نفسه إلى منع تحولها إلى قوة مهيمنة إقليمياً.
تايوان.. نقطة الاختبار
تحتل تايوان موقعا مركزيا فى الرؤية الأمريكية لآسيا. فالهدف الأول للإستراتيجية هو ردع نشوب صراع حول الجزيرة، من خلال الحفاظ على تفوق عسكرى أمريكى قادر على ردع الصين، مع مطالبة الحلفاء الإقليميين ببذل المزيد فى مجال الأمن والدفاع.
ولا تتعامل الإستراتيجية مع تايوان كقضية منفصلة عن التوازن الأوسع فى المنطقة. لكن يمكن الربط بين احتمال سيطرة الصين بالقوة على الجزيرة وبين أهمية تايوان كمنتج رئيسى للرقائق الإلكترونية، فضلا عن موقعها الذى قد يمنح الصين وصولا إلى سلسلة الجزر الثانية ويعزز موقعها فى بحر الصين الجنوبي، وهو ممر حيوى للتجارة العالمية. وبذلك يصبح ردع الحرب حول تايوان جزءا من حساب أوسع يتعلق بالتفوق العسكرى والتكنولوجى وبموازين القوة فى منطقة المحيط الهادئ.
لكن واشنطن، فى المقابل تؤكد عدم دعم أى تغيير أحادى الجانب للوضع الراهن. وتظل الصين تعتبر تايوان جزءا من أراضيها، بينما تعد الولايات المتحدة داعما دوليا رئيسيا للجزيرة، مع التزام قانونى بتوفير وسائل الدفاع عن النفس لها. ويعكس حضور تايوان فى الإستراتيجية أهمية متزايدة للملف، إذ ورد اسمها ثمانى مرات، مقابل ثلاث مرات فى إستراتيجية ترامب لعام 2017.
من هنا يبرز أحد أكثر عناصر السياسة الأمريكية حساسية، الغموض الإستراتيجي. فالإستراتيجية تجمع بين عدم دعم تغيير الوضع الراهن وعدم تأييد استقلال تايوان، وبين الإصرار على الحفاظ على التفوق العسكرى الأمريكى لردع الصين. هذا الجمع لا ينسجم بالكامل مع رغبة بكين فى أن تتبنى واشنطن موقفا واضحا يقوم على معارضة استقلال تايوان.
وهكذا تتحول تايوان إلى نقطة تتقاطع عندها عدة اعتبارات، الردع العسكري، والتكنولوجيا، والجغرافيا البحرية، والتحالفات، والتجارة. ولذلك لا تبدو قضية الجزيرة فى الإستراتيجية مجرد نزاع على وضع سياسي، وإنما جزءا من تصور أوسع لموازين القوة فى آسيا.
من ردع الصراع لمنع الهيمنة
إذا كان ردع الصراع حول تايوان يمثل الهدف الأول، فإن الهدف الثانى هو منع أى قوة منافسة من الوصول إلى مستوى من الهيمنة الإقليمية يهدد المصالح الأمريكية. وهنا تظهر «سلسلة الجزر الأولي» باعتبارها عنصرا مركزيا فى الرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي.
وتريد واشنطن تحقيق ذلك من خلال شبكة من الشراكات، وليس عبر العمل منفردة. فالهند مدعوة إلى الإسهام بصورة أكبر فى أمن منطقة المحيطين الهندى والهادئ، بينما يشكل التعاون مع اليابان وأستراليا جزءا من الجهد الرامى إلى منع أى قوة منافسة من السيطرة على آسيا.
لكن طبيعة هذه الشراكات تكشف فى الوقت نفسه عن تغير فى فلسفة التحالفات. فالحلفاء لا يظهرون فقط باعتبارهم شركاء فى منظومة الردع، وإنما أيضا باعتبارهم أطرافا مطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي، وتوفير وصول أكبر إلى الموانئ والمنشآت، وتطوير قدرات عسكرية يمكن أن تسهم فى تحقيق الأهداف المشتركة.
وهنا تنتقل الإستراتيجية من مجرد الحفاظ على التحالفات إلى تقاسم الأعباء. وهى فكرة تظهر بوضوح فى التعامل مع اليابان وكوريا الجنوبية، حيث تطالب واشنطن الحليفين بتحمل قدر أكبر من المسئولية الدفاعية فى مواجهة التحديات على امتداد سلسلة الجزر الأولي.
إعادة توازن لا قطيعة
فى الجانب الاقتصادي، لا تدفع الإستراتيجية نحو قطيعة شاملة مع الصين. فالهدف الثالث هو إعادة التوازن إلى العلاقات الاقتصادية الأمريكية ـ الصينية، على أساس المعاملة بالمثل والإنصاف والاستقلال الاقتصادي، مع تركيز التجارة مع الصين على المجالات غير الحساسة، والحفاظ على علاقة اقتصادية حقيقية ومتبادلة المنفعة.
وهذه النقطة مهمة لفهم طبيعة المنافسة كما تعرضها الوثيقة. فالمسألة ليست إنهاء العلاقة الاقتصادية مع الصين، وإنما إعادة ضبطها. ولذلك تركز الإستراتيجية على اختلالات التجارة، وعلى ما تعتبره تشوهات تجارية وفائضا فى الإنتاج الصيني، وعلى دور الحلفاء الآسيويين فى المساهمة فى معالجة هذه الاختلالات.
وتقدم كوريا الجنوبية مثالا واضحا على هذا التوجه. فقد تضمنت الصفقة التى يشير إليها التقرير استثمارات بقيمة 350 مليار دولار فى الاقتصاد الأمريكي، وتعريفة عامة بنسبة 15 ٪، وترتيبات تتعلق بتعريفة أشباه الموصلات، وإزالة حواجز غير جمركية. كما تراجع الفائض التجارى الكورى مع الولايات المتحدة من 44.3 مليار دولار إلى 39.7 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
وتكتسب الهند أيضا أهمية فى هذا الجانب، إذ تدعو الإستراتيجية إلى العمل مع الحلفاء الآسيويين، وخاصة الهند، لتحقيق إعادة التوازن التجارى والمنافسة الاقتصادية فى آسيا.
وبذلك لا يصبح الاقتصاد ملفا منفصلا عن الأمن، بل أحد ميادين المنافسة التى تريد واشنطن إعادة تنظيمها بما يتوافق مع مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية.
أدوات لتنفيذ الأهداف
تقدم الإستراتيجية أربعة مسارات رئيسية لتنفيذ أهدافها فى آسيا. الأول هو الضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي. فالولايات المتحدة تريد تعزيز قدرتها العسكرية فى مواجهة أى عدوان على امتداد سلسلة الجزر الأولي، لكنها تريد فى الوقت نفسه أن تتحمل كوريا الجنوبية واليابان وغيرهما جزءا أكبر من الأعباء.
وتوضح كوريا الجنوبية طبيعة هذا الاتجاه. ففى قمة أبيك فى نوفمبر 2025، تعهد الرئيس الكورى الجنوبى بتخصيص 25 مليار دولار لشراء معدات عسكرية أمريكية بحلول عام 2030، و33 مليار دولار لدعم 28,500 جندى أمريكي، إلى جانب رفع الإنفاق الدفاعى إلى 3.5 ٪ من الناتج المحلى الإجمالي.
الأداة الثانية هى الحفاظ على التفوق العسكرى الأمريكي. فواشنطن تريد الاحتفاظ بقوة عسكرية قادرة على مواجهة التحديات على امتداد سلسلة الجزر الأولي، مع زيادة الوصول إلى الموانئ والمنشآت، ودفع الحلفاء والشركاء إلى زيادة الإنفاق وتطوير قدرات عسكرية متقدمة.
أما الأداة الثالثة فهى ضمان أمن الممرات البحرية. فالإستراتيجية ترى أن سيطرة الصين على بحر الصين الجنوبى يمكن أن تهدد المصالح الأمريكية إذا تمكنت قوة منافسة من فرض رسوم أو إغلاق طرق التجارة الحيوية. ولذلك تدعو إلى الردع واتخاذ إجراءات تضمن بقاء هذه الممرات مفتوحة، وحرة من الرسوم، وغير خاضعة للإغلاق التعسفي، مع زيادة الاستثمار العسكرى والبحرى والتعاون مع دول تمتد من الهند إلى اليابان.
أما الأداة الرابعة فتتمثل فى التعاون مع الحلفاء لتنسيق المساعدات التنموية للجنوب العالمي. ويشير التقرير إلى أن كوريا الجنوبية نسقت مع الولايات المتحدة فى هذا المجال منذ 2019 عبر قنوات مختلفة استمر بعضها حتى 2025.
هذه الأدوات تكشف عن إستراتيجية تجمع بين الحفاظ على القوة الأمريكية وإعادة توزيع جزء من أعباء استخدامها على الحلفاء.
التحالفات تحت الاختبار
هنا تحديدا تظهر إحدى نقاط الضعف التى يرصدها التقرير. فبدلا من أن تبدو العلاقة مع الحلفاء قائمة بصورة أساسية على التعاون، قد يؤدى الضغط الأمريكى المتزايد إلى خلافات مع بعضهم. ويرى التقييم أن قسم المحيطين الهندى والهادئ فى الإستراتيجية يبدو أقرب إلى سلسلة من المطالب الموجهة إلى الحلفاء والشركاء منه إلى طرح تعاونى لمواجهة التحديات.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة لأن الإستراتيجية لا تسمى الصين صراحة منافسا إستراتيجيا، كما تمنح الأولوية القصوى لنصف الكرة الغربي، فى خروج عن تركيز أمريكى استمر 15 عاماً على الأقل على آسيا ومنطقة المحيطين الهندى والهادئ. وهذا التغير قد يثير تساؤلات لدى الشركاء حول مستوى الالتزام الأمريكى طويل المدى بالمنطقة.
وتقدم الهند نموذجا واضحا لهذا الغموض. فبينما تدعوها واشنطن إلى الإسهام بصورة أكبر فى أمن منطقة المحيطين الهندى والهادئ، يظل حضورها فى الوثيقة محدودا مقارنة بالصين، إذ ترد الهند أربع مرات مقابل 21 مرة للصين. كما أن الضمانات المقدمة لها أقل، وهو ما يترك حالة من عدم اليقين المطول.
أما رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، فتبدو أكثر غيابا. فالإستراتيجية تشير إلى جنوب شرق آسيا باعتبارها منطقة إستراتيجية متميزة، لكنها تتجاهل الرابطة باعتبارها المؤسسة السياسية التى تحدد هذه المنطقة. يمثل هذا خروجاً عن توجه أمريكى امتد لعقود منذ عام 1987، كما أن جنوب شرق آسيا يظهر فى الوثيقة أساساً فى حسابات اختلال الميزان التجاري، وفائض الإنتاج الصيني، والجغرافيا الإستراتيجية لبحر الصين الجنوبي.
ويضاف إلى ذلك التراجع اللافت فى أهمية كوريا الشمالية. فالإستراتيجية الجديدة لا تذكر كوريا الشمالية أو نزع سلاحها النووي، مقارنة بـ17 إشارة إليها فى إستراتيجية ترامب لعام 2017 وثلاث إشارات فى إستراتيجية بايدن لعام 2022، ومع ذلك، يظل ترامب مستعدا للحوار مع كيم جونغ أون، مع استمرار موقفه بشأن نزع السلاح النووى الكامل.
وهكذا تبدو آسيا فى الإستراتيجية مجالا للانخراط الانتقائي، ملفات تحظى بتركيز شديد، وأخرى تتراجع بصورة واضحة، وشركاء تتم مطالبتهم بالمزيد، من دون أن تتساوى مستويات الاهتمام والضمانات المقدمة لهم.
الصين.. منافسة فى القوة
الصين هى أكثر عناصر الإستراتيجية كشفا عن طبيعة هذا التوازن الدقيق. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى منع هيمنتها الإقليمية، وردع أى محاولة للسيطرة على تايوان، والحفاظ على التفوق العسكري، ومواجهة ما تعتبره إكراها اقتصاديا وتشوهات تجارية وتوسعا صينيا.
لكن الجانب الآخر من الصورة مختلف. فالإستراتيجية تحمل مضامين يمكن أن ترحب بها بكين، فهى تعيد النظر فى العلاقة من منظور توازن القوي، ولا تجعل المنافسة صراعا بين قيم متعارضة، بل تركز بصورة أكبر على المصالح. كما تقدم الصين باعتبارها شريكا اقتصاديا محتملا فى علاقة متبادلة المنفعة، مع الإشارة إلى احترام السيادة وعدم التدخل.
وهذا لا يلغى التنافس، لكنه يغير لغته وطريقة إدارته. فالصين ليست فى الوثيقة مجرد خصم ينبغى عزله، كما أن التعاون الاقتصادى معها ليس بديلا عن الردع العسكري. والنتيجة هى علاقة تقوم على مسارين متوازيين، محاولة منع الهيمنة الصينية من جهة، والإبقاء على مساحة لعلاقة اقتصادية متبادلة المنفعة من جهة أخري.
وتظهر هنا المفارقة الأعمق فى الإستراتيجية. واشنطن تريد تجنب الحرب مع الصين من خلال الردع، وتريد التبادل الاقتصادى معها من خلال إعادة التوازن، وتريد منع هيمنتها من خلال التحالفات والشراكات. نجاح هذه المعادلة يتوقف على قدرة الإدارة على إدارة هذه المسارات فى وقت واحد من دون أن يتحول أحدها إلى عقبة أمام الآخر.
انتقال الأولويات للمنطقة العربية
إن القراءة الأكثر دقة للإستراتيجية تجعلنا نستخلص ان الشرق الأوسط وأفريقيا يحظيان باهتمام أقل، بينما يتقدم نصف الكرة الغربى إلى موقع الأولوية القصوي، وتحتفظ آسيا والصين بأهمية كبيرة فى الملفات الإستراتيجية والاقتصادية والعسكرية.
وهذا يعنى أن الوثيقة تعكس إعادة ترتيب للاهتمام الأمريكى بين المناطق. فالأولوية أصبحت مرتبطة بصورة أوضح بالمصالح الوطنية الأمريكية الجوهرية التى تحددها الإستراتيجية وهى اقتصاد قوي، وقاعدة صناعية متينة، وجيش قوي، وحدود آمنة، وتفوق اقتصادى وتكنولوجي.
وبالنسبة إلى النظام الدولي، فإن أهمية هذا التحول تكمن فى أن واشنطن لا تتعامل مع القوة باعتبارها موزعة بالتساوى بين المناطق، وإنما تعيد توجيهها نحو أولويات تراها أكثر ارتباطا بمصالحها. وفى هذه المعادلة، تظل آسيا مهمة لأن الصين تمثل محورا لعدد كبير من الحسابات المتعلقة بالقوة العسكرية، والتكنولوجيا، والتجارة، والتحالفات، والممرات البحرية.
أما بالنسبة إلى المنطقة العربية، فلا تسمح الإستراتيجية لتجعلنا نقول ان تحول الاهتمام الأمريكى سيؤدى حتما إلى نتيجة محددة فى أى ملف عربي. لكن يمكن استخلاص دلالة أوسع وهى ان الشرق الأوسط لم يعد فى الوثيقة من بين ساحات الاهتمام الأعلى مقارنة بنصف الكرة الغربى وآسيا. وهذا جزء من إعادة توزيع أوسع للأولويات الأمريكية، وليس نتيجة منفصلة عن بقية التحولات التى ترسمها الإستراتيجية.
وفى المقابل، فإن تراجع آسيا فى سلم الأولويات لا يعنى أن القارة أصبحت هامشية بالنسبة إلى النظام الدولي. فالصين وتايوان والتجارة والممرات البحرية والتفوق العسكرى والتكنولوجى تجعل آسيا حاضرة فى صميم الحسابات الأمريكية، حتى فى ظل تقدم مناطق أخرى عليها فى ترتيب الأولويات.
الاختبار الحقيقي.. النص أم التنفيذ؟
فى المحصلة، تكشف إستراتيجية الأمن القومى الأمريكية عن ان آسيا تتراجع فى ترتيب الأولويات، لكنها لا تتراجع بالقدر نفسه فى أهمية التحديات المرتبطة بها. فالأولوية القصوى تذهب إلى نصف الكرة الغربي، لكن الصين تظل الدولة الأكثر حضورا فى الإستراتيجية، وتايوان تمثل نقطة الاختبار الأولى للردع، وسلسلة الجزر الأولى مجالا لمنع الهيمنة الإقليمية، بينما تصبح التجارة والممرات البحرية جزءا من معادلة الأمن الاقتصادى والعسكري.
كما تعيد الإستراتيجية صياغة دور الحلفاء. فواشنطن تريد الحفاظ على تفوقها العسكري، لكنها تريد من الشركاء دفع المزيد والمشاركة بصورة أكبر فى تحمل الأعباء. وفى الوقت نفسه، لا تغلق الباب أمام علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة مع الصين، لكنها تسعى إلى إعادة التوازن إليها ومنع تحول القوة الصينية إلى هيمنة إقليمية.
ومن هنا تأتى التناقضات التى قد تحدد مستقبل هذه الرؤية. فهناك أولوية لنصف الكرة الغربى مع استمرار الاهتمام العميق بالصين، وضغط على الحلفاء مع الحاجة إليهم لتحقيق الردع، وغموض فى قضية تايوان مع السعى لمنع الحرب، ورغبة فى علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة مع الصين بالتوازى مع إجراءات تستهدف الحد من نفوذها وهيمنتها.
لذلك، فإن السؤال الحاسم ليس فقط ماذا تقول الإستراتيجية عن آسيا، وإنما هل تستطيع الإدارة الأمريكية تحويل هذه الأولويات المتعددة إلى سياسة عملية متماسكة؟
نستطيع القول إن الإستراتيجية الامريكية تضع آسيا فى المرتبة الثانية من حيث الأولوية، لكنها فى الوقت نفسه تؤكد أن القارة، والصين خصوصا تظل من أهم ساحات التحديات الإستراتيجية والاقتصادية والعسكرية. ويظل الاختبار الحقيقى فى مدى التزام إدارة ترامب بتنفيذ الإستراتيجية، ولا سيما فى مواجهة صعود الصين.
وبذلك، فإن الإجابة عن السؤال الذى تطرحه الإستراتيجية ليست أن آسيا خرجت من الحسابات الأمريكية، ولا أنها أصبحت الأولوية الأولي. الأدق أن واشنطن تعيد ترتيب موقع آسيا داخل إستراتيجيتها، وتعيد تعريف شروط حضورها فيها. فالقارة تتراجع فى سلم الأولويات، بينما تظل الصين وتايوان والتحالفات والممرات البحرية والتوازن الاقتصادى فى قلب الحسابات. وهذه هى المفارقة التى تمنح إستراتيجية أهميتها. فتراجع الأولوية لا يعنى تراجع المنافسة، بل قد يعنى إعادة صياغة أدوات إدارتها.









