هل يمكن أن ندير صحافة القرن الحادى والعشرين بقانون صدر عام 1970؟ وهل تستطيع نقابة عريقة تأسست عام 1941 أن تواجه عصر المواقع والمنصات والذكاء الاصطناعى بأدوات تشريعية صيغت لعالم لم يعرف الإنترنت أصلًا؟
لا يتعلق الأمر بالدفاع عن الصحافة الورقية فى مواجهة الرقمية، ولا برفض حق العاملين فى الصحافة الإلكترونية فى الحماية النقابية. القضية أكبر من ذلك: كيف نحمى المهنة من الفوضى الرقمية، من دون أن نحرم الصحفى الحقيقى من حقه فى النقابة؟
تتغير الصحافة بسرعة هائلة. تتبدل أدواتها ومصادرها وأسواقها، وتختفى الحدود القديمة بين غرفة الأخبار والميدان، وبين الصحيفة والمنصة. وأصبح الصحفى قادرًا على إنتاج النص والصورة والفيديو من هاتفه، فيما دخل الذكاء الاصطناعى إلى قلب العملية الصحفية.
لكن هذا التحول لا يعنى أن كل موقع إلكترونى هو مؤسسة صحفية، ولا أن كل من يعمل فى موقع صار صحفيًّا.
ومن هنا يجب أن يبدأ التنظيم: فالمعيار ليس امتلاك الموقع، وإنما ممارسة الصحافة. وليس الترخيص وحده دليلًا على الصفة المهنية، كما لا ينبغى أن تتحول عضوية النقابة إلى نتيجة تلقائية لترخيص أى موقع.
ويجب أن تقوم العضوية على معايير واضحة وقابلة للتحقق: ممارسة فعلية ومنتظمة للمهنة، إنتاج صحفى موثق، علاقة مهنية واضحة بالمؤسسة أو إثبات ممارسة مستقلة حقيقية، وسجل مهنى يمكن مراجعته. والأهم أن تكون هذه القواعد معلنة وثابتة، لا تخضع للأهواء أو العلاقات الشخصية أو الحسابات الانتخابية أو القيل والقال؛ فلا عضوية بالمجاملة، ولا رفض بالمزاج، ولا قيد بالوساطة.
فإذا أصبح الموقع بوابة آلية للعضوية، فقد نجد أنفسنا أمام أعداد يصعب ضبطها مهنيًا وماليًا، فضلًا عن احتمال ظهور كيانات صورية هدفها الأساسى الحصول على الصفة الصحفية ومزايا العضوية.
وهنا تكشف قضية العضوية مشكلة أعمق: الحاجة إلى إعادة صياغة الإطار التشريعى الذى يحكم المهنة. فقد تغير العالم الذى تعمل فيه الصحافة جذريًا، بينما ما زالت قواعد أساسية للعضوية والقيد تستند إلى قانون صدر قبل أكثر من نصف قرن.
وتسبق نقابة الصحفيين القانون الحالى بنحو ثلاثة عقود؛ فقد تأسست عام 1941 لتكون مظلة تحمى المهنة وأهلها. ومن ثم لا يليق بمؤسسة بهذه العراقة أن تظل فى موقع انتظار تعديلات جزئية كلما ظهرت مشكلة جديدة.
المطلوب قانون جديد للنقابة، لا مجرد ترقيع للقانون القائم؛ قانون يعرف الصحفى بمعيار الممارسة لا بنوع الوسيط، وينظم الصحافة الرقمية والعمل المستقل، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعى باعتباره واقعًا مهنيًا، ويحمى موارد النقابة واستقرارها.
وهنا لا يجوز أن يكتفى مجلس النقابة بإدارة الملفات اليومية، بل عليه أن يكون طرفًا رئيسيًا فى صناعة التشريع الذى يحكم المهنة.
والإصلاح التشريعى لا يكتمل من دون إصلاح البيئة التى تعمل فيها الصحافة. فكيف نطلب من الصحفى الدقة والتحقق، بينما يظل الوصول إلى المعلومات رهينًا بتقدير الجهات التى تمتلكها؟
قانون تداول المعلومات لم يعد مطلبًا مهنيًا للصحفيين وحدهم، بل أصبح شرطًا لجودة الصحافة وحقًا أصيلًا للمواطن. ولهذا تملك النقابة فرصة مهمة للتحرك، خصوصًا مع وجود وزير دولة للإعلام من أبناء المهنة ونقيب سابق للصحفيين، لدفع الحكومة والبرلمان نحو قانون واضح يحدد حق الحصول على المعلومات والاستثناءات وآليات التظلم.
لكن الإصلاح لا يتوقف عند القانون والمعلومات والعضوية. فهناك سؤال أكبر يتعلق بجوهر المهنة نفسها: هل نستطيع أن نعيد للصحافة المصرية قدرتها على صناعة الكبار؟
هل يمكن أن تتطور صحافتنا فنرى من جديد روادًا على شاكلة محمد حسنين هيكل، ومحمد التابعي، ومصطفى أمين، وعلى أمين، وجلال الدين الحمامصي، وكامل زهيري، وغيرهم من أساطين المهنة الذين لم يكونوا مجرد ناقلى أخبار، وإنما أصحاب مدارس وتأثير ورؤية؟
وأين المؤسسات التى تصنع الصحفي، لا التى تستخدمه فقط؟ وأين التدريب الذى يصقل الموهبة، والتحقيق الذى يبنى الخبرة، والقراءة التى تصنع الوعي؟
فالصحافة لا تتقدم بكثرة المواقع ولا بكثرة الصحفيين المسجلين، وإنما بقدرتها على إنتاج العقول والأسماء والمدارس التى تترك أثرًا فى المجتمع.
ولا يكفى أن نوسع قاعدة العضوية إذا كنا لا نوسع قاعدة الموهبة، ولا أن نحمى الصحفى نقابيًا إذا تركنا المهنة تتراجع مهنيًا.
نحن أمام لحظة تستدعى المبادرة لا الانتظار.
نقابة قوية لا تعنى نقابة مغلقة، كما أن نقابة مفتوحة لا تعنى نقابة بلا معايير.
المطلوب نقابة تحمى الصحفى الحقيقي، سواء كتب فى صحيفة ورقية أو موقع إلكترونى أو منصة رقمية، وتحافظ فى الوقت نفسه على مواردها وهيبتها واستقلالها المهني.
فالصحافة لا يحميها الورق، ولا يصنع قوتها الكارنيه، ولا يقاس مستقبلها بعدد الأعضاء.
تحميها منظومة متكاملة: قانون عصري، ونقابة قوية، ومعلومات متاحة، ومعايير مهنية صارمة، ومؤسسات تصنع الصحفي، وصحفى قادر على ممارسة مهنته بحرية ومسؤولية.
فالزمن لا ينتظر النقابة، والمهنة تتغير كل يوم، ومن يتأخر عن تحديث قواعدها يترك الآخرين يكتبون مستقبل الصحافة بدلًا منه.
ولا يصح أن تُدار القضايا الحساسة للنقابة عبر السوشيال ميديا، أو أن تتحول إلى بالونات اختبار تُقاس بها ردود الأفعال. فالقضايا التى تمس مستقبل المهنة ومكانة النقابة تستحق حوارًا مؤسسيًا هادئًا داخل الجماعة الصحفية، بعيدًا عن الشائعات والاستقطاب. وتبقى مسؤولية الصحفيين جميعًا أن يتوحدوا لحماية ما تبقى من تقاليد وأصول مهنة عريقة، وأن يختلفوا فى الرأى دون أن يختلفوا على قيمة المهنة ومكانة نقابتهم.
نحتاج الى نقيب ومجلس نقابة قوى قادر على تحمل المسؤولية ونسف كل ما هو مخالف؛ فقانون النقابة عفا عليه الزمن وبات غير دستوري.









