أرسلت لى صديقتان عدداً من الفيديوهات التى تحتوى على قصص درامية من الحياة، وفيها كل عناصر العمل الدرامى من قصة وسيناريو وحوار، وأيضا دارت فى أماكن مختلفة واستطاع ممثلوها أداء شخصياتهم بأسلوب فيه كثير من الإجادة والاحترافية، الملفت فى هذا أن صناع هذه الأعمال ليسوا من المحترفين، وإنما هواة.. وأن الأفكار التى قدموها تبدو قريبة جداً مما يحدث فى مجتمعنا، خاصة فى العلاقات الأسرية وما طرأ عليها من أزمات لأسباب مهمة مثل تغير الوضع الاقتصادى للأسرة وصعودها لتختلف عن بقية العائلات القريبة منها وتتفوق عليها اقتصاديا، وما يخلقه هذا من أوضاع جديدة تبدو واضحة فى كل شيء، من الملبس وما يضمه المنزل من أثاث، إلى سلوكيات المحبة التى تتراجع كثيراً هنا بفعل الصعود الاقتصادي، وأيضاً مازالت قضية الذين ذهبوا للعمل فى بلاد عربية وتحسنت أوضاعهم المالية ضمن هذا الاهتمام لدى صناع هذه الاعمال، والمثير للاهتمام والدهشة هنا هو كم التفاعل مع هذه الدراما الجديدة، والعدد المهول الذى ينجذب لرؤيتها، ويحفظ أسماء صناعها، ويشارك فى التعليق عليها، وهو ما يجعلها قضية مهمة بالفعل من قضايا الساعة.
من القاهرة والناس إلى ليالى الحلمية
بدأت الدراما المصرية على شاشة التليفزيون عام 1960، وطوال رحلتها الطويلة منذ 65 عاماً قدمت أغلب الأفكار التى يواجهها المجتمع المصرى تقريباً بداية من متغيرات الحياة اليومية كما قدمها مسلسل (القاهرة والناس) للكاتبين مصطفى كامل وعاصم توفيق والمخرج محمد فاضل إلى مسلسل الأجزاء الخمسة (ليالى الحلمية) للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبدالحافظ ومسلسلات أخرى مهمة قدمها كتّاب ومخرجون عظماء، وأيضا قدمت الدراما المصرية فى بدايتها كل أنواع القوالب الدرامية من تمثيلية النصف ساعة أو الساعتين إلى مسلسلات السبع حلقات وحتى الثلاث عشرة حلقة (وكان هذا فى بداية عصر الدراما فى التليفزيون المصري) وبعدها توقفت أنواع كثيرة وبقيت المسلسلات الطويلة التى رأيناها منذ الثمانينات وحتى الآن، غير أن عودة أعمال الخمس عشرة حلقة من جديد منذ سنوات قليلة، كانت دليلا على استطاعة الدراما أن تجارى زمننا الحالي، ولتأتى المنصات بعدها لتقوم بالواجب، فتقدم أعمالاً بلا تحديد لعدد الحلقات، ومن خلال أفكار تختلف عن السائد، وجرأة أكثر، وأظن أن المنصات، التى زاد عددها فى السنوات الثلاثة الأخيرة، كان الباب المفتوح لمتغيرات أكبر فى علاقتنا كمشاهدين بالدراما، وفى الاهتمام بعالم الشباب والأجيال الجديدة التى اختلفت المشاهدة عندها عن آبائها، فأصبح الموبايل هو الأهم فى توجهها نحو العمل الدرامي، وأصبحت السوشيال ميديا ضمن توجهاتها واهتماماتها الأولي، وبالتالى استطاعت السوشيال ميديا إغراء الكثيرين من المشاهدين بالتحول من مجرد المتابعة للدراما إلى صناعة الدراما التى يريدونها. مثل هذه الأعمال التى تملأ أجهزة الموبايلات الآن وتجد اهتماما من فئات كثيرة، خاصة، مع إغراء مادى مهم لكل من يحصل على مشاهدات كثيرة لما يقدمه من فيديو، ولكل من يصل بعدد مشاهديه إلى (التريند) أى درة الاهتمام من شعب السوشيال ميديا، هكذا وصلت بنا الأمور الآن، وهو تحد كبير لصناع الدراما المحترفين الذين سوف يتحملون مسئولية عودة الأعمال الدرامية إلى أهميتها وقيمتها الأولي، وهو ما لن يحدث إلا بالعودة للاهتمام بكتاب الدراما أولاً، خاصة الكبار والخبراء الذين يجلسون فى البيت بلا عمل، إضافة إلى النخبة من الكتاب الجدد الموهوبين، وبعدها يأتى دور المخرجين المهمين، وكثيرون منهم أيضا لا يعملون منذ سنوات، وصولا إلى الاهتمام بالصناعة التى صنعت لنا اعمالاً خالدة، وصنعت لمصر والفن المصرى إطلالة وأهمية كبيرة فى كل العالم العربي، فهل تحدث هذه الهبة الدرامية من جديد؟









