تشهد الصراعات المعاصرة تحولاً عميقاً مع تغير طريقة إدارتها والعلاقة بين أدوات القوة العسكرية والتحرك الدبلوماسي. أحد سمات هذه التحولات هو أن الحرب والدبلوماسية أصبحتا في العديد من الحالات مسارين متزامنين ومتداخلين. فالمفاوضات تجري أثناء القتال، والوساطات تستمر تحت النار، والقوة تستخدم لتحسين شروط التفاوض، بينما تتدخل الدبلوماسية لضبط أو خفض التصعيد وإدارة الكلفة السياسية والإنسانية والاقتصادية للصراع.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسة مفادها أن التحول الأهم في البيئة الاستراتيجية المعاصرة يكمن في إعادة تشكيل العلاقة بين الحرب والدبلوماسية ضمن إطار أكثر تكاملًا ومرونة. وتجادل بأن هذا التحول ربما يكشف عن “فجوة تكيف” بين سرعة تطور الحرب، بفعل التكنولوجيا والفاعلين وأدوات المنطقة الرمادية، وبين مستوي سرعة تكيف الدبلوماسية التي لا تزال تعمل في جانب معتبر منها وفق مؤسسات وقواعد وأعراف.
تختبر الدراسة هذه الفرضية عبر أربع حالات تطبيقية، هي: حرب غزة، والمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وأزمة أمن البحر الأحمر، والحرب الروسية الأوكرانية. وتكشف المقارنة أن النمط العام متقارب رغم اختلاف المسارح، بما يشمل استمرار الوساطة أثناء القتال، واستخدام القوة كورقة تفاوض، وصعوبة الفصل بين الحرب والهدنة، وتنامي دور التكنولوجيا في تعقيد التحقق والإنفاذ. غير أن النتائج قد تختلف تبعاً لبنية الصراع ودرجة نضجه وتوافر الضمانات وآليات التحقق.
وتخلص الدراسة إلى أن مستوي فعالية الدبلوماسية بات يقاس بوسائل مثل: القدرة على احتواء التصعيد، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتقليص فجوات المعلومات لتفادي سوء الفهم واتخاذ القرارات السليمة، وإدارة التداعيات الإنسانية، وتثبيت المكاسب الجزئية القابلة للبناء عليها. ومن ثم، فإن إدارة الصراعات المعاصرة تتطلب استراتيجية تكاملية تجمع بين الردع والدبلوماسية، والقوة والمؤسسات والأمن والتنمية مع إدراك أن إدارة الصراع يتعين أن يصل في الأخير إلى محطة التسوية.
أولاً عقود طويلة، استندت الأدبيات التقليدية في العلاقات الدولية إلى افتراض ضمني مؤداه أن الحرب والدبلوماسية تمثلان مرحلتين متعاقبتين؛ إذ تستخدم الدبلوماسية لمنع اندلاع الحرب أو لإنهائها، بينما تعد الحرب تعبيراً عن تعثر الجهود السياسية أو فشلها.
غير أن خبرة الصراعات في المرحلة الراهنة – في إطار الواقعية السياسية- تشير إلى أن هذا الفصل لم يعد ممكناً. فقد باتت العمليات العسكرية تتداخل مع جهود الوساطة، وتستمر المفاوضات أثناء المواجهات، وتتحول أدوات الردع والضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي إلى عناصر متكاملة في إدارة الأزمة.
وقد برز هذا النمط بوضوح في حرب غزة، وفي المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وفي ملف الأمن في البحر الأحمر، كما ظهر خارج الشرق الأوسط في الحرب الروسية الأوكرانية. ويشير تكرار الظاهرة في أقاليم مختلفة، وبأنماط متباينة من الفاعلين والصراعات، إلى أن الأمر لا يعبر عن خصوصية إقليمية بقدر ما يعكس التحول في طابع إدارة الصراعات المعاصرة.
ويطرح هذا السياق تساؤلات تتعلق بكيفية إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للعلاقة بين الحرب والدبلوماسية في الصراعات المعاصرة، ومحددات فعالية الأداة الدبلوماسية، ودلالات هذا التحول في إدارة الصراعات المعاصرة والمستقبلية؟
أولاً: الإطار النظري والمفاهيمي
ثانيًا: الحروب الحديثة وإشكالية الحسم ومقاربة الدبلوماسية
يقتضي ضبط مفهوم الحرب المعاصرة التمييز بينها وبين الحرب بمعناها الكلاسيكي. فالحرب في التصور التقليدي هي فعل عنف منظم بين وحدات سياسية يهدف إلى إخضاع إرادة الخصم، ويفترض غالباً بداية واضحة ونهاية محددة وخطاً فاصلًا بين الحرب والسلم. بينما الحرب المعاصرة تتميز بأربع سمات رئيسة، وهي:
- تعدد الفاعلين والأدوات الهجينة: فالحرب لم تعد حكراً على الجيوش النظامية، وإنما باتت تخاض عبر مزيج من القوات النظامية والوكلاء والفاعلين من غير الدول والشركات الأمنية والشبكات العابرة للحدود، كما لم تعد أدواتها عسكرية على نحو ما كان معروفاً في الحروب التقليدية، حيث تتداخل في الحروب المعاصرة أدوات جديدة من أبرزها الأدوات الاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية والقانونية والنفسية.
- عامل الزمن ومقاربة الحسم: لم تعد الحروب المعاصرة تنتهي في الغالب إن لم يكن الأعم بانتصار عسكري واضح، اذ تميل إلى تميل إلى الجمود تارة والتسويات الجزئية أو الهدن المتكررة أو الصراعات منخفضة الحدة تارة أخري. وهو ما يجعل مفهوم “نهاية الحرب” أكثر التباساً، لاسيما عندما يتوقف القتال مؤقتاً دون أن تنتهي الحرب سياسياً أو استراتيجياً بنتائج واضحة لصالح طرف مقابل الآخر.
- الدور المتصاعد للتكنولوجيا: حيث يتصاعد دور التكنولوجيا في الحروب، بمعني أن هذا الدور موجوداً بالفعل في الحروب المعاصرة، لكنه يتنامى بشكل لافت إلى الحد الذي قد يتصور معه أن التكنولوجيا أصبحت أحد محركات وأدوات الحروب، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ قلصت المسيرات والنظم غير المأهولة بشكل عام، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ونظم الاستشعار والحرب السيبرانية دورة القرار العسكري، وفرضت ممارسة ضغط مستمر ومنخفض الكلفة، وقابل للإنكار أحياناً تحت عتبة الحرب المعلنة.
- دورة الصراع: لا تتحرك الحروب المعاصرة في اتجاهاً خطياً من التصعيد إلى الحسم ثم التسوية، وإنما تتحرك في شكل دورات متعاقبة من القتال والتهدئة، وتتخللها هدن تنعقد وتنهار، ومفاوضات تبدأ وتتعثر وتستأنف، وضربات تتصاعد ثم تنضبط. وبذلك يصبح الصراع الواحد سلسلة من دورات الحرب والدبلوماسية المتداخلة.
- ثالثًا: الدبلوماسية من إدارة العلاقات إلى إدارة دورات الصراع
تمتد جذور التعريف الكلاسيكي للدبلوماسية إلى فجر الدولة الحديثة؛ فقد أرسى الكاردينال ريشيليو في وصيته السياسية مبدأ “التفاوض المستمر”، داعيًا إلى التفاوض في كل مكان ودون انقطاع، ربحت الدولة من ذلك عاجلًا أم لم تربح، ثم وضع فرانسوا دو كاييير النص التأسيسي لأدبيات الحقل بتعريفه الدبلوماسية فناً للتفاوض قوامه المعرفة الدقيقة بمصالح الدول وأحوالها.
وعلى هذا الأساس وضعت العديد من التعريفات في الأدبيات اللاحقة، فعلى سبيل المثال عرفها الدبلوماسي البريطاني البارز السير إرنست ساتو بأنها تطبيق الذكاء واللباقة في إدارة العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة، وعرفها هارولد نيكولسون بأنها إدارة العلاقات الدولية بالتفاوض. وكذلك عرفها هانس مورغنثاو بأنها عقل القوة الوطنية ومهمتها الكبرى تحقيق المصالح بالوسائل السلمية، فيما رفعتها المدرسة الإنجليزية إلى مصاف المؤسسات المكونة للمجتمع الدولي؛ ووفقاً لـ هيدلي بول هي ركن من أركان النظام الدولي، وعرفها آدم واتسون بأنها الحوار المنظم بين الدول.
وتشترك هذه التعريفات على تباعد أزمانها في اتجاهين رئيسيين؛ الأول: أن الدبلوماسية نشاط يمارس أساساً بين دول ذات سيادة، والثاني: أن وظيفتها تجنب الحرب أو إنهاؤها، أي أنها تعمل في حيز السلم أو على تخومه. غير أن الحروب المعاصرة تجاوزت هذين الافتراضين معاً. فالدبلوماسية في الوقت الراهن لا تقتصر على ممارسة الدولة الوطنية، بل يمارسها الفاعلين من غير الدول، والوسطاء الإقليميين، والمنظمات الدولية، وهناك أيضاً قنوات خلفية، وشبكات غير رسمية. كما أنها تعمل في أثناء الحرب، وليس في أعقابها كآلية ضمن عملية إدارة التصعيد حتى أثناء تبادل الضربات، حيث يجرى التفاوض على هدن مؤقتة يعرف الوسطاء والأطراف أنها هشة، ولكنها مهمة لمعالجة التداعيات الإنسانية بينما يستمر القتال، وتسعى إلى بناء ترتيبات مرحلية قابلة للانهيار وإعادة الترميم.
وفي ضوء ما سبق، يمكن تعريف الدبلوماسية في سياق الصراعات المعاصرة بأنها، مجموع عمليات التفاوض والوساطة والاتصال والإشارة التي تدير بها الأطراف والوسطاء دورات الصراع صعوداً وهبوطاً، بهدف احتواء التصعيد وتقليص فجوات المعلومات وتثبيت المكاسب الجزئية وتهيئة شروط التسوية عندما تنضج.
- رابعًا: فجوة التكيف بين الحرب والدبلوماسية
يقود التعريفان السابقان إلى سؤال جوهري مفاده أنه إذا كانت الحرب تتطور بسرعة التكنولوجيا، فهل تطورت الدبلوماسية بالوتيرة نفسها؟ هنا يمكن المجادلة بأن هناك فجوة تكيف بنيوية بين الأداتين. فالحرب تتحرك اليوم بدورات ابتكار قصيرة ومتسارعة ومتشابكة. وفي المقابل، لا تزال الدبلوماسية تعمل ضمن بنية مؤسسية وقانونية صيغت لعالم مختلف. فاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 صممت لعلاقات بين دول ذات سيادة تمثلها بعثات دبلوماسية مقيمة. كما أن آليات الأمن الجماعي في ميثاق الأمم المتحدة وضعت أساساً للتعامل مع حروب الدول الكلاسيكية. أما بروتوكولات وقف إطلاق النار التقليدية فتفترض وجود خطوط تماس واضحة، وهياكل قيادة مركزية وقدرة على ضبط القوات وآليات تحقق بشرية على الأرض.
وحين تطبق هذه الأدوات على الحروب المعاصرة أو الحديثة تشمل فاعلين من غير الدول، أو على هجمات سيبرانية ومسيرات يصعب إسنادها إلى طرف محدد، ومن ثم تظهر فجوة التكيف بوضوح. فالدبلوماسية في كثير من الحالات تحاول إدارة حروب القرن الحادي والعشرين بأدوات صممت في القرن العشرين.
ولا يعني ذلك أن الدبلوماسية بقيت جامدة تماماً. فقد طورت أدوات تكيف جزئية، منها الوساطات متعددة المسارات، والدبلوماسية المكوكية الرقمية، وآليات المراقبة التقنية عبر الأقمار الاصطناعية، ونظم الإنذار المبكر، وهيئات الإشراف الدولية المبتكرة، فضلاً عن صعود وسطاء جدد من خارج نادي القوى الكبرى التقليدية. غير أن هذه التكيفات لا تزال محدودة، إذ لم تنجح بعد في إغلاق الفجوة البنيوية بين سرعة تطور الحرب وبطء تحول الدبلوماسية.
- خامسًا: تحولات البيئة الاستراتيجية وإعادة تعريف العلاقة بين الحرب والدبلوماسية
نظر الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي إلى الحرب باعتبارها استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى، على غرار التعريف الشهير لـ كارل فون كلاوزفيتز، بينما عدت الدبلوماسية الأداة الرئيسة لإدارة العلاقات بين الدول ومنع الصراعات أو إنهائها. وقد استند هذا التصور إلى افتراض وجود انتقال واضح بين مرحلتي السلم والحرب. غير أن التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، ثم التطورات المتسارعة خلال العقد الجاري، أظهرت أن هذا الفصل لم يعد كافيًا لتفسير الواقع.
في هذا السياق، يتعين التميز بين طبيعة الحرب وطابعها. فطبيعة الحرب، بوصفها فعل عنف منظم لإخضاع الخصم لإرادة سياسية، تظل ثابتة عبر العصور. أما طابع الحرب، أي أشكالها وأدواتها وطرق إدارتها، فهو المتغير الدائم، ويمكن رد هذا التحول إلى أربعة عوامل مترابطة.
- الأول: تزايد تعقيد البيئة الأمنية، وظهور فاعلين من غير الدول وشبكات عابرة للحدود إلى جانب الدول، بما يجعل الأقاليم المضطربة أقرب إلى مركبات أمنية متشابكة يصعب التعامل معها بمنطق ثنائي أو خطي.
- الثاني: اتساع مفهوم الأمن ذاته. فلم يعد أمن الدول يرتبط فقط بحماية الحدود، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي. وقد أدى هذا الاتساع إلى إعادة تعريف أدوات إدارة الصراع، بحيث أصبحت الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية تؤدي أدواراً لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية.
- الثالث: تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، بما أعاد تشكيل البيئات الإقليمية دون أن يعيدها إلى أنماط الاستقطاب التقليدية الصلبة. فقد أصبحت مسارح الأزمات، من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، ساحات تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب القوى الإقليمية بما أوجد شبكة تفاعلات يصعب تفسيرها بمنطق التحالفات الجامدة.
- الرابع: التحول التكنولوجي الذي وسع طيف الأدوات المتاحة تحت عتبة الحرب، فالمنظومات المسيرة، والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية وغيرها من أدوات الحروب غير التقليدية، قلصت زمن دورة القرار، وتشكل ضغطاً عسكرياً مستمراً ومنخفض الكلفة، وقابلًا للإنكار أحياناً، كما أذابت الحدود العملية بين القتال والهدنة.
وقد ترتب على هذه العوامل تغير في وظائف القوة العسكرية ذاتها. فلم يعد الهدف من استخدامها، في كثير من الحالات، تحقيق انتصار حاسم بالمعنى التقليدي، وإنما فرض معادلات ردع أو تحسين شروط التفاوض، أو منع الخصم من تغيير ميزان القوى، أو حماية المصالح الحيوية. وفي المقابل لم تعد الدبلوماسية تقتصر على التفاوض بعد توقف العمليات، بل أصبحت تتحرك بالتوازي معها من خلال الوساطة وإدارة التصعيد والتنسيق الدولي ومعالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية.
وقد أعادت هذه التحولات اختبار المقولات الكلاسيكية في الفكر الاستراتيجي، فمقولة إن الحرب استمرار للسياسة لم تسقط، بل أصبحت أكثر وضوحاً، لكن معنى الاستمرار تحول من التعاقب إلى التزامن. أما مقولة أن الحرب ملاذ أخير فقد تآكلت في بيئة تستخدم فيها أدوات القوة، من السيبراني إلى الوكلاء والمسيرات والضغط الاقتصادي، قبل الوصول إلى الحرب المعلنة. كما انقلبت مقولة أن الدبلوماسية تنتهي حيث تبدأ الحرب، إذ باتت الدبلوماسية تعمل أثناء الحرب.
وفي هذا السياق، تعود مقولة “من أراد السلام فليستعد للحرب” – وهي المقولة التي صكها “فلافيوس ريناتوس” الكاتب العسكري الروماني في أواخر القرن الرابع الميلادي في مؤلفه “خلاصة الفن العسكري” – إلى الواجهة بصيغة “السلام بالقوة”. غير أن الخبرة المعاصرة تكشف أن القوة قد تكون شرطاً لجلب الخصم إلى طاولة التفاوض، لكنها ليست شرطاً كافياً لصناعة سلام مستدام. فالقوة قد تنتج اتفاقاً، لكنها لا تضمن التزاماً إذا غابت الضمانات والمؤسسات والمصالح المتبادلة ولحظة النضج.
- سادسًا: حدود الدبلوماسية وشروط فعاليتها
لا تعمل الدبلوماسية في الحروب المعاصرة في فراغ، ولا تنتج التسويات لمجرد توافر الوسطاء أو صيغ الاتفاق، بل تتحرك داخل بيئة مشروطة بتوازنات القوة ومستوى النضج السياسي والميداني، وقابلية الالتزامات للتحقق والإنفاذ، ومدى قدرة الأطراف على تحمل كلفة استمرار الصراع. وبالتالي ثمة قيود أو حدود لفاعلية الدبلوماسية، ومنها على سبيل المثال:
يكمن القيد الأول في معضلة التحقق والإنفاذ، فاتفاقات وقف إطلاق النار ليست مجرد إعلانات سياسية، حيث يفترض أن تتشكل آلية للتحقق وترتيبات إنفاذ، وحوافز متبادلة لخفض التصعيد. وكلما ضعفت هذه العناصر تحول الاتفاق إلى هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وهناك أيضاً قيد التفاوض القسري. فعندما ينظر أطراف الصراع إلى الضغط العسكري بوصفه شرطاً لتحسين الموقع التفاوضي، ربما لا تفهم الهدنة باعتبارها مدخلاً إلى التسوية، بقدر ما قد تفسر باعتبارها فرصة لإعادة التموضع أو اختبار الخصم أو تثبيت مكاسب مؤقتة. وتبلغ هذه المعضلة ذروتها في حروب الاستنزاف، حيث يراهن كل طرف على إنهاك خصمه عسكرياً واقتصادياً ونفسياً عبر الزمن.
كذلك؛ يمكن يؤدي غياب النضج السياسي والميداني إلى أثار سلبية. فالوسيط مهما بلغت قدرته أو نفوذه قد لا يستطيع أن يصنع تسوية لطرفين لم يبلغا بعد إدراك المأزق المتبادل. ولا تنجح التسوية إلا عندما يقتنع الأطراف بأن استمرار الصراع أصبح أكثر كلفة من القبول بتسوية لا تحقق الحد الأقصى من أهدافهم، لذلك لا تكمن فعالية الوساطة في مهارة الوسيط وحدها، بل في العلاقة بين جهده الدبلوماسي وطبيعة الصراع نفسه.
أيضاً يمكن أن تؤدي المؤسسات الدولية دوراً في تعزيز الدبلوماسية كفرصة، مثل إضفاء الشرعية على الاتفاقيات والقيام بدور التحقق خلال التوصل لوقف النار وربما تلعب دور الضامن أو المراقب. لكن في المقابل لذلك قد يتحول الدور إلى قيد أو تحدي، فقد تستدعى المنظومة الدولية لإضفاء الشرعية على ترتيبات تصنع غالباً خارجها، لكنها تهمش عندما تصطدم الأزمة بمصالح القوى الكبرى أو بقيود الفيتو. ويرتبط ذلك مباشرة بفجوة التكيف التي سلفت الإشارة إليها، إذ إن أحد أسباب تهميش المؤسسات الدولية قد يعود إلى هيمنة القوى الكبرى إلى بطء تكيف المؤسسة الدولية مع طابع الصراعات الجديد.









