عندما تتزايد التحديات وتتعدد المخاطر وتتنوع محاولات الإضرار بالدولة فالوعى يصبح واجبًا وشرح الموقف يصبح لازمًا وكشف الحقائق ضرورة، ومصر تتعرض لأعنف حرب فى تاريخها، حرب لا توصف إلا بأنها قذرة هدفها الدولة ونشر الفوضى فى ربوعها، أدوات هذه الحرب واضحة لنا جميعًا، نراها ونلمسها يوميًا لكن ربما لا يدرك بعضنا أنها متعمدة، بل وقد يشاركون فيها دون أن يدروا، لأنهم لا يعرفون أن أساليب الحروب تغيرت ووسائل الإضرار تنوعت، فلم تعد لغة الحروب هى الصواريخ والطائرات والدبابات، فكم من حروب فشلت رغم ما استخدم فيها من آلاف المعدات العسكرية، وما أنفق عليها من مليارات الدولارات، آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة والعادية ومئات المليارات أنفقتها أمريكا فى حربها ضد إيران ولم تنجح حتى الآن أن تحقق أهدافها، لأن الحروب العسكرية لم تعد قادرة على الوصول إلى الهدف، وإنما الحروب الحديثة هى الأكثر نجاحًا، ووصولاً إلى الهدف بأقل تكلفة لأنها الأكثر خبثًا، بثمن طائرة واحدة أو صاروخ يمكن تدمير دولة وتحويلها إلى حالة من الفوضي، بقيمة دبابة يمكن السيطرة على مقدرات دولة دون إطلاق رصاصة واحدة، صناعة الأزمات الداخلية فى الدول أصبحت أبرز وسائل الحروب التدميرية، إثارة الفتن ونشر الإحباط بين المواطنين عبر الأكاذيب وحملات التشكيك أضحت أكثر تأثيرًا من إطلاق مئات الموجات من الصواريخ الباليستية، إشعال الدول من الداخل هو لغة العصر، وغالبًا بأيدى أبناء الدولة أنفسهم.
الحروب ضد الدول الآن لم تعد تدار من غرف العمليات العسكرية وإنما من داخل أجهزة المخابرات التى تخطط لإضعاف الدول واستدراج شعبها دون أن يدرى لهدمها، وسائل التواصل أصبحت هى الصواريخ النووية فى الحروب الحديثة، والأكاذيب هى الطائرات المسيرة التى تخترق أجواء المجتمعات بأقل تكلفة، وحملات التشكيك المصطنعة والمخططة هى القنابل العنقودية التى تطلق لتدمر مساحات الثقة وأرضية التماسك الوطنى، والتريندات الوهمية هى حاملات الخراب الداخلى وصناعة الفتنة والتحريض.
كل هذا يستخدم فى الحرب ضد مصر ونراه ونلمسه يوميًا، محاولات لا تتوقف بكل هذه الأساليب القذرة، والهدف واضح والوسائل مكشوفة لمن يمتلك الوعى ويعرف مفهوم الحروب بلا أسلحة تقليدية، لذلك يأتى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى دائمًا ليؤكد على الدور الوطنى لكل أبناء مصر، إنه كما تدار الحروب ضدنا بوسائل غير تقليدية فلابد من مواجهتها بطرق مبتكرة، تطوير أدواتنا لحماية بلدنا أصبح أمرًا لا يقبل التهاون، والتوحد فى المواجهة مبدأ لا بديل عنه.
المواطن هو المقاتل فى مواجهة هذه الحروب، والوعى هو الذى يحبط كل هذه المخططات، والتماسك الداخلى هو حائط الصد الذى يدمر كل أسلحة الدمار. الرئيس السيسى يدرك الخطر تمامًا، يرى المخططات واضحة أمامه، يعرف كيف تدار الحرب وأساليبها، لذلك لا يكل ولا يمل من التحذير والتنبيه لصناعة الوعى المجتمعى وإقامة سدود مصرية صلبة قوامها المناعة الوطنية.

الثلاثاء الماضي كان الاجتماع الأول من نوعه للرئيس السيسي مع مجلسي الوزراء والمحافظين بكامل مل هيئتهما والسيد الوزير رئيس المخابرات العامة والسيد رئيس الرقابة الإدارية وقادة القوات المسلحة والشرطة وعدد من مشايخ وعمد القرى المصرية والخبراء اجتماع رسالته واضحة، كما قالها الرئيس، إن مسئولية حماية مصر معلقة في رقابنا جميعا، من أصغر إلى كبر مسئول، من القرى والنجوع إلى قلب العاصمة، لخطورة الحروب الحديثة أن مدى أسلحتها لا يقف عند مساحات أو مناطق بعينها أو شخصيات دون غيرهم. حروب وسائلها لا تعرف الحدود، بل تخترق الى القرى والنجوع والعزب، تصل الى البيوت في كل مكان تسمم العقول شبابا وكبارا وصغاره، ولذلك فمسئولية المواجهة لا تقف عند مؤسسات الدولة ولا تقتصر على الحكومة وموظفيها ولا المثقفين والمفكرين ولا الإعلام وحدد رغم الأهمية القصوى لدوره، وإنما تمتد إلى الجميع الكل مسئول، كل عقل مصرى هو ثغر مطلوب الدفاع عنه وحمايته، وكل منصب هو تكليف وطني و للعمل من أجل حماية استقرار وأمن مصر وسلامة شعبها، شيخ القرية والعمدة دورهما لم بعد يقل عن القائد العسكري المكلف بحماية حدود مصر وأرضها فأبناء القرى والنجوع أكثر المستهدفين من تلك الحروب القذرة.
حديث الرئيس من داخل الاكاديمية العسكرية لم يكن فقط شرحًا للمخاطر وكشفًا للتحديات التى تواجهها مصر، وإنما أيضًا تحديد للمسئوليات، كل شخص يجب أن يعرف دوره، وكل مسئول يجب أن يمارس عمله المكلف به على أكمل وجه دون تراخ أو خوف أو قلق أو يأس.
كلنا نتحمل مسئولية حماية هذا الوطن، سلامة استقرار مصر وشعبها فى رقاب الجميع، وإذا كان جزء من الحرب المدبرة ضد مصر هى صناعة الإحباط وإيقاف العمل وصناعة الانتحار الداخلى لهدم الدولة فالمواجهة كما قال الرئيس تكون باليقظة ومزيد من العمل، وأن يؤدى كل مصرى دوره كاملاً، الوعاظ وأئمة المساجد والقساوسة فى الكنائس، المعلمون فى المدارس وأساتذة الجامعات، الموظفون فى مكاتبهم والمفكرون فى كتبهم ومقالاتهم وندواتهم المختلفة، الأطباء فى عياداتهم.
كلكم راعِ وكلكم مسئول عن رعيته، ومصر وأهلها رعية نتحمل جميعًا مسئولية سلامتهم أمام الله، التكاتف والتماسك لم يعد مطلب رفاهية بل فرض على الجميع، نشر الوعى يبدأ من قلب القرى والنجوع وعلى منابر المساجد والكنائس وقاعات الجامعات وفصول وطوابير الصباح بالمدارس، حماية مصر من المخاطر التى تحاصرها ليست أقل من أن تخصص لها حصة يومية بالمدارس أو محاضرة أسبوعية فى الجامعات، وتكون بندًا فى عظة بالكنيسة وجزءًا من خطبة الجمعة أسبوعيًا، التلاحم والتماسك بين مؤسسات الدولة والمجتمع والمواطنين هو السبيل لقوة وصلابة الجبهة الداخلية ومناعتها، إذا كان تطوير قدرات الدولة مطلوبا دائمًا للمواجهة وحماية مقدراتها فى ظل عالم لا يعرف سوى القوة ولا تحكمه سوى المصالح فإن التماسك الداخلى هو أفضل طريق لتطوير هذه القدرات، وهو ما أكد عليه الرئيس كثيرًا خلال حديثه.
المسئول ليس على عداء مع المواطن ولا خلاف بينهما، حسن معاملة المواطن واجب على كل من يتحمل مسئولية تقديم خدمة عامة، الاستماع للمواطن وتلبية احتياجاته الأساسية ملزم لكل مسئول فى موقعه، الحديث مع المواطن بشفافية ووضوح وبالحقائق أمر لازم ليعرف ماذا يدور ويجرى حوله ويقف على ما تبذله الدولة من جهد لصالحه حتى لا تخدعه الشائعات ولا تفتنه الأكاذيب ولا يخضع لمؤامرات التحريض.
إذا كان مطلوبًا من المواطن الوعى ومساندة مؤسسات الدولة، فالمطلوب من كل مؤسسات الدولة والمسئول ن احترام المواطن وحقوقه وحسن معاملته، وبذل الجهد من أجل تحقيق مصالحه وإشراكه فى مسئولية القرار، ولذلك كان حرص الرئيس أن يتحدث رئيس الوزراء وتسعة من الوزراء خ ال الاجتماع ليشرح كل منهم ماذا تقدم الدولة للمواطن وماذا تحقق من بناء خلال السنوات الماضية وكيف تطورت الدولة، وكيف تقاتل من أجل حماية الأمن القومى ومقدرات وحقوق الشعب المصرى داخليًا وخارجيًا، المعرفة بأدق التفاصيل مهمة للغاية، والتكامل بين الحكومة التى لا تتوقف عن العمل والمواطن الواعى ضرورة فى زمن المؤامرات.
بالتأكيد لا ينكر أحد أن الحكومة الحالية ورثت أزمات عقود سابقة وتعمل فى ظل ظروف هى الأصعب على الإطلاق وتواجه تحديات غير مسبوقة من أزمات إقليمية تفسد كل خطط الإص اح وحروب وصراعات تشعل الأوضاع الاقتصادية، بجانب الاستهداف الواضح للدولة المصرية وقيادتها ومؤسساتها والترصد المتعمد لكل مسئول بكل السبل لكن كما قال الرئيس لا مجال لليأس أو الإحباط وإنما العمل الجاد الذى يبنى البلد ويحمى حقوق المواطن فى حياة أفضل وأمن واستقرار، ولأن العمل هو طريق النجاح ولأن الشعور بالمسئولية هو أهم أسلحة حماية الدولة.

فقد وضع الرئيس عبدالفتاح السيسى روشتة النجاح لأى مسئول حكومى، كبير أو صغير، وزير أو محافظ أو موظف، لم يطلب الرئيس مستحيلاً ولم يوجه بتكليفات تعجيزية، كل ما أكد عليه الرئيس بذل أقصى الجهد والعمل بمزيد من الثقة، أن يفكر المسئول كبيرًا أو صغيرًا بإيجابية، وأن يعرف جيدًا دوره ومهام وظيفته وأن يمارسها كما يجب، أن يتذكر دائمًا حق الدولة عليه وحقوق المواطن وأن يحسن معاملته ويطور من الخدمات التى يقدمها له، أن يدرك أن التماسك الداخلى هو سر نجاح الدولة وقوتها. هكذا كان الاجتماع الرئاسى الذى أعتبره تاريخيًا سواء فى حضوره أو رسالته التى وجهها الرئيس إلى كل المصريين.
وأعتقد أنه لكى تكتمل رسالة هذا الاجتماع فلابد من أن يتحول إلى نموذج للعمل، كل وزير يجب أن ينقل الرسالة الرئاسية نقلاً صادقًا وافيًا إلى مسئولى وزارته من خلال اجتماعات مشابهة، وكل محافظ يجلس مع عمد ومشايخ محافظته وقياداتها الشعبية والمؤثرون فيها، فكما يوجد المؤثرين على السوشيال ميديا فهناك الأكثر تأثيرًا فى القرى والنجوع والعزب، هؤلاء قادرون على الوصول إلى المواطن والحوار معه.
رؤساء الجامعات وعمداء الكليات عليهم دور لا ينتظر التأخير فى بناء الوعى من خلال محاضراتهم وعلاقتهم بالطلاب.
وزير التعليم يجب أن يترجم حديث الرئيس إلى رؤية عمل وأن يعيد اللقاءات بالمعلمين ومديرى المدارس ليقوموا بدورهم.
وزيرة التنمية المحلية مسئوليتها كبيرة فى ترسيخ ثقافة خدمة المواطن واحترامه بين مسئولى المحليات.
وزارة الداخلية رسالتها مهمة فى التأكيد على دعم وحماية المواطن واحترام كرامته واستكمال دورها فى فرض الشعور بالأمن والأمان ودولة القانون.
الأوقاف لديها مهمة ليست سهلة فى أن يمارس المنبر دوره فى بناء المجتمع وتقوية الجبهة الداخلية بالتعاون مع الكنائس المصرية فى كل قرية على أرض مصر، وكما شرح عمدة السرارية كيف تعامل مع مشاكل قريته وكيف يبنى الوعى المجتمعى بين أهلها، فلدينا نحو 4500 عمدة وآلاف من مشايخ القرى قادرون على ممارسة نفس الدور كل وفق طبيعة قريته ومجتمعه.
نحن أمام تحدِ واضح، وأدوات المعركة بأيدينا وتكليفات الرئيس واضحة، حددها ورسمها بشكل شامل ودقيق، ولم يعد أمام أى مسئول حجة فى التقصير أو التراخى فى ممارسة دوره، لأن من سيقصر لن يجد له مكانًا لأنه سيكون غير مستحق لموقعه، فالتخلى عن معركة الوعى وبناء الدولة مثل الهروب من أرض المعركة.









